
في وقت بدأ فيه قرص الشمس يداعب السماء، ويبسط على الأرض بعضًا من النور، شق "أبو محمد"، طريقه برفقة أسرته لجني البلح، وأخذت حبات العرق تنصب على جبينه، وبدأ يربط بيديه الحبل حول ظهره ليتسلق النخيل بخطوة حريصة تتلو الأخرى، خشية السقوط.
يبدأ "أبو محمد" الذي يعيش أيامه الأولى في العقد الرابع من عمره، خطواته أعلى النخيل واثقًا وقد ربط خلف ظهره الحبل، وفي كل تقديم قدم يدعو الله أن يتم الأمر في سلام، دون السقوط جراء المخاطرة بالصعود لعشرات الأمتار في أعالي النخيل للكسب الرزق في مهنته التي ورثها عن والده."زراعة البلح مبقتش زي زمان"، بتلك الكلمات بدأ "أبو محمد" حديثه لـ"أهل مصر"، عن زراعة البلح في مدينة الحوامدية بالجيزة، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، جعلت موسم البلح يتم حصده مبكرًا وقبل موعد حصاده، فبعد أن كان يتم الجني في منتصف سبتمبر، تبدل إلى منتصف أغسطس.
يلتقط "أبو محمد" أنفاسه، ويكمل حديثه، عن موسم جني البلح، قائلًا: "احنا الفلاحين بنستعد للموسم من شهر مارس، بنبدأ الأول بـ(تقليم) النخل علشان نقدر نلقح النخل وهو نضيف وبعدين نلقح النخل المؤنث بالنخيل المذكر"، موضحًا أن من يقوم بتلك المهمة، يجب أن يكون على علم بالخطوات.ويصف "أبو محمد" عملية تلقيح النخل أو "الطلع" كما يسمونها، بقوله: "تدكير النخلة بيتم وضعه في مارس، وبعدين بنستنى موسم الجني المقرر في سبتمبر، علشان نعرف إذا لقحنا كويس ولا لأ، ولو حصل وفي غلط ده بيأثر على طعم وحجم البلحة"
"النخلة الواحدة بنجمع منها على فترات وأكثر من طلعة للنخلة الواحدة من 10- 12 طلعة، وبعدين ضروري واحنا بنجمع البلح منهزش الزباط"، بتلك الكلمات أعطى "أبو محمد" حافي القدمين، صاحب البشرة الخمرية، وصف دقيق لعملية جني البلح.ويستكمل "أبو محمد"، الذي بدا عليه علامات التعب من المجهود الشاق الذي بذله في المرات التي صعد فيها النخل، قائلًا: "ناخد البلح من نصه علشان البلح الباقي مينشفش، بنقسم البلح من بلح الأمهات ودا بيكون لونه الأول أصفر وبعد ما بينضج بيتحول لونه للأسود، وبعدين بناخده ونفرشه في الغيط على الأرض لحد ما الشمس تسويه، ودا بنعمله عجوة، والنوع التاني هو البلح السيوي اللي دايما عليه طلب من الناس كتير لأن طعمه حلو وطري".