أناس بسيطة يعيشون فى مكان اختفت منه آثار ومعالم الحياة، فلا مدارس ولا مستشفيات والأن لا مأوى، اكتمل مثلث الاهمال فى هذه المنطقة التى تقع على فرع النيل وتحديدًا طريق ترعة السلام، لم يكن لأهالى تلك المنطقة أى مطالب سوى العيش بزهد راضيين بالقليل، حياتهم البسيطة تخبرك بآمالهم فى الحياة ولكن قد لا تأتيك الفرصة حتى تعيش كما تريد، تجولنا بالقرية التى تشبه بأحد المناطق النائية التى لا تعرف شيئًا عن الحياة الكريمة وبطبيعة الأمر لن تجد معنى لكلمة رفاهية فى هذا المكان.
قرية "زرزارة" إحدى القرى التابعة لمدينة الروضة بمركز فارسكور محافظة دمياط، تلك القرية التى عاش بها سكانها على مدار أعوام طويلة دون أن يعرف عنهم أحد شيئًا، اكتفوا فقط بوجود المأوى والعمل الذى قد يوفر لهم القليل من احتياجاتهم اليومية، استمر بهم الحال خلال تلك الأعوام السابقة حتى جاءت اللحظة التى واجه فيها هؤلاء قرارات هددت بكل المقاييس آمالهم فى الحياة نفسها، وهنا قمنا يمعايشة على مدار اليوم لعرض تفاصيل تلك الحياة قد تشاهد ما لا يخطر ببالك يومًا وفى التقرير التالى تحترق "أهل مصر" مملكة زرزارة التى قتلها الاهمال.
تساؤلات عديدة دارت بخاطرنا أول ما وطأت أقدامنا تلك القرية، فمنذ البداية عليك أن تقطع مسافة لا تقل عن 45 دقيقة حتى تصل إلى القرية، وإن لم تتمكن من توفير وسائل المواصلات التى تقلك إلى المكان فعليك الانتظار مدة لا تقل عن ساعتين حتى تتمكن من الوصول، فليس هناك وسائل مواصلات خاصة حتى تقلك إليها مباشرةً.
عندما بلغنا القرية كان علينا أن نأخذ نزهة مرهقة فى النيل بواسطة فلوكة ذات الحيل الممتد إلى البر الأخر، تلك الفلوكة أو كما يطلق عليها "نورماندى" هى وسيلة المواصلات الوحيدة التى تربط القرية بالعالم الآخر، عليك أن تمارس رياضة شد الحبل حتى تتأقلم مع طبيعة هذه النزهة، وبعد دقائق معدودة بلغنا البر الآخر لتبدأ قصتنا مع أهالى "زرزارة".
بدأنا الحديث مع أحد سكان المنطقة المتبقيين بعد قرار الازالة الأخير ليطلعنا على ما حدث وما وقع وكيف كانت الحياة فى هذا المكان، كان أو حديث لنا لسيدة تدعى أم هناء بدأت أن تروى قصتها فقالت: أنا هنا من أربعين سنة وأكتر اتعودت على العيشة هنا رغم قسوتها.
لحظات من الصمت تجولنا بأنظارنا حول المكان لم نجدأى معلم من معالم الحياه، عادت مرة أخرى للحديث قائلة: حاولت أعمل بير عشان نعرف نعيش لاننا فضلنا سنين كتيرة من غير مياه، وياريتهم سابونى أعيش.
أخذت السيدة المنكوبة فى سرد قصتها مع قرار الهدم الذى كان مفاجئ لآمالها فى العيش لتسرد قائلة: أنا كنت فى بيت والدتى، كنت عاملة عملية فجأة لقيت الناس بتنادى عليا عشان ألحق البيت اللى أنا سكنه فيه، بعد ما وصلت البيت لقيت حملة كبيرة بتهد البيت اللى ليا فى الدنيا دى، حاولت أمنعهم أو أفهم ليه لقيتهم قالولى ان دى أملاك دولة واننا هنعمل طريق هنا ولازم البيوت دى تتشال، بدأوا فعلًا فى الإزالة فاستأذنتهم وطلعت خدت اللى أقدر عليه من حاجتى وخرجت.
أسردت السيدة حديثها قائلة، أنا فضلت نايمة فى الشارع أكثر من شهر ونص، لحد ما حاولت أعمل أوضة تأوينى، أنا ماليش فى الدنيا إلا المأوى ده حتى لو أملاك دولة أنا قدمت على طلبات تقنين ماحدش سأل عنى وفى الآخر هدوا البيت وسابونى فى الشارع.
حاولت السيدة التماسك فبحديث مبلل بالدموع أظهرت السيدة وجعها حينما قالت "نفسى ألاقى حد اشتكيله وينصفنى، أنا مش عاريزة من الدولة أى حاجه غير انها تسبنى أعيش، خلونى فى مكانى واعملوا اللى انتوا عايزينه اسمعوا صوتنا بس"
لم تتوقف الرحلة عند هذا الحد تجولنا بالمنطقة التى لا تمتلك شيئًا من معالم الحياة، فى طريقنا قابلنا أطفالًا ينظرهم مستقبل غير واضح المعالم، فلنا أن نخيل كيف يكون الطفل الذى نشأ فى الشارع دون مأوى؟، استكملنا رحلاتنا حتى وصلنا إلى شخصًا آخر ليروى هو الآخر قصته مع هذا القرار.
الحاج أحمد الشناوى أحد المتضررين فى قرار الازالة الأخير، فجر مفاجأة عن مسئولى دمياط وطريقة التعامل التى يلجأ إليها المسئولين.
بدأ عم أحمد حديثه لـ "أهل مصر" قائلًا: أنا عايش هنا من 40 سنة ويمكن أكتر، كنا عايشين فى عشة غاب وراضيين بكل حال، وفى يوم جت الثروة السمكية والرى قالولنا جاى قرار تقنين ولازم تقننوا وممكن تاخدوا المكان حق انتفاع جريت على الثروة السمكية وفعلًا سجلت ودفعت الرسوم بعدها استلفت وتعبت واشتغلت لحد ما قدرت ابنى بيت يأوينى وأولادى، وبعد خمس سنين لقيتهم جايين يهدوا البيت، ليه كده عشان الطريق الجديد.
بعد كل المحاولات اللى قمت بيها وفشلت هدوا بيتى وأنا وولادى متشردين، أشاد عم أحمد بأحد قيادات الحملة قائلاَ: "أنا كان أهون عليا أموت ولا انى أسيب بيتى، لولا واحد من قيادات الحملة اسمه اللواء هشام جالى وقالى لو عندى مكان والله هاخدك هناك ودمع عشانى لولا الراجل ده أنا كنت هاموت تحت الجدران"
لم يتماسك عم أحمد كثيرًا انفجر فى البكاء خاصة عندما تذكر أن أبنائه يسكنون الأن داخل أوضة ملحقة بإحدى الحظائر التى امتلكها أحد أصدقائه فقال "أنا صعبان عليا إن ولادى تعيش العيشة دى" ولو دى أملاك دولة ليه ما تقننش وضعى أنا موافق وطلبت التقنين بس ماحدش سمعنى ولا سأل عنى.
استمر عم أحمد فى حديثه الباكى قائلًا " رضينا بالهم وعايشين بالقليل، سيبونا بقا نعيش لإما افتحوا الباب قدامنا وقولونا شوفوا حياتكم فى أى حته، أنا مصرى وليا حق فى البلد دى وللأسف اللاجئين عايشين أحسن مننا"
أسرد عم أحمد حديثه قائلًا "قابلت المحافظ وعرضت عليه الأمر كان رده عليا غريب "قالى أنا أعمل ليكوا ايه روجوا ابنوا عشش وعيشوا فيهأ" وأنا بوقلك يا سيادة المحافظ أنا هاقبلك فى الأخرة وهاخد حقى منك لو ماعرفتش تعملى حاجه وسبتنى كده.
استغاث المتواجدين جميعهم برئاسة الجمهورية خاصة بعد اتخاذ البعض قرار استرداد أراضى الدولة شماعة لتعليق أى أمر يواجههم، فقالوا لو الرئيس يعرف انهم بيعملوا فينا كده ماهيرضاش وقرار استرداد أملاك الدولة ماقالش اطردوا الناس من بيوتهم وشردوهم وسيبوهم نايمين فى الشارع على الأقل شوفوا لهم حل.
حاولنا أن نختصر مار أيناه ولكن حقيقة الأمر ما واجهناه كان أصعب بكثير، انتهت رحلتنا ولم تنتهى شكاوى أهالى زرزارة أؤلك الذين لا طلب لهم سوى المأوى فهل من مجيب؟!