قال الشيخ محمد العجمي، وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية، إن جميع المساجد والزوايا بالمحافظة تناولت فى خطبة الجمعة اليوم، الحديث عن "الأمل فى كافة نواحي الحياة"، وذلك تنفيذا لتوجيهات الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، ببث روح الأمل والتفاؤل فى نفوس الناس لتحقيق غدا مشرق يحمل الخير لمصر وللأجيال القادمة.
وفي هذا الصدد، أوضح وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية، أن الله - تعالى - قد جعل الحياةَ الدنيا كثيرةَ التقلُّب؛ لا تستقيم لأحد على حال، ولا تصفو لمخلوق مِن الكدَر، ففيها خير وشر، وصلاح وفساد، وسُرور وحزن، وأملٌ ويأس، ويأتي الأمل والتفاؤل كشُعاعَين يُضيئان دياجيرَ الظَّلام، ويَشقَّان دروب الحياة للأنام، ويَبعثان في النفس البشرية الجدَّ والمُثابرة، ويُلقِّنانها الجلَد والمُصابَرة، فإن الذي يُغري التاجرَ بالأسفار والمُخاطرة أملُه في الأرباح، والذي يَبعث الطالبَ إلى الجدِّ والمُثابَرة أمله في النجاح، والذي يُحفِّز الجنديَّ إلى الاستِبسال في أرض المعركة أملُه في النصر، والذي يُحبِّب إلى المريض الدواءَ المرَّ أمله في الشِّفاء والطُّهْر، والذي يدعو المؤمن أن يخالف هَواه ويطيع مولاه أمله في الفوز بجنَّته ورضاه، فهو يُلاقي شَدائدها بقلب مُطمئنٍّ، ووجه مُستبشِر، وثَغرٍ باسم، وأملٍ عريض، فإذا حارَب كان واثقًا بالنصر، وإذا أعسَر لم يَنقطِع أمله في تبدُّل العسر إلى يسْر، وإذا اقترف ذنبًا لم ييئس من رحمة الله ومَغفرته.
وتابع العجمي: "ما أجملَ الآياتِ الكريمةَ التي تتحدَّث عن الأمل، وتبثُّ روح التفاؤل بين المسلمين، فانظر إلى أمنيات الأنبياء والمرسلين والتي صوَّرها القرآن الكريم؛ فهذا إبراهيم - عليه السلام - قد صار شيخًا كبيرًا ولم يُرزَق بعدُ بولد، فيدفعه حسْن ظنِّه بربه أن يدعوَه "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ"، فاستجاب له ربُّه ووهب له إسماعيلَ وإسحاق - عليهما السلام.
وأكد علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال أحاديثه الشريفة، ومَواقِفه العظيمة، وتوجيهاته الرائعة - يحثُّنا على التحلي بالأمل والتفاؤل؛ فلقد كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يُعجبه الفأل؛ لأنه حسْن ظنٍّ بالله - سبحانه وتعالى - فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس - رضي الله عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا عدوى ولا طِيَرة، ويُعجِبني الفأل: الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة"، فبالأمل يَذوق الإنسان طعم السعادة، وبالتفاؤل يُحسُّ ببهجة الحياة، والإنسان بطبعه يحبُّ البُشرَى وتطمئنُّ إليها نفسه، وتمنحه دافعًا قويًّا للعمل، بينما التَّنفير يُعزِّز مَشاعر الإحباط واليأس لديه، ويُصيبه بالعزوف عن القيام بدَوره في الحياة؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: "يسِّروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تُنفِّروا".
واستكمل العجمي، حديثه قائلا: "إذا أردنا أن نُصلِح المُجتمَع، فإن علينا أن نعلَم أنَّ أيَّ واقع لن يخلو مِن عَناصرَ إيجابيَّة وأخرى سلبيَّة، ومُهمَّة المُصلِح لا تبدأ من الصفر، بل هي تَنبيه الناس إلى الإيجابيات الموجودة بينهم وتقويتها، وتقليل السلبيات ومُحاصَرتها، أي أن نتقبَّل عنهم أحسن ما عَملوا ونتجاوَز عن سيئاتهم، والقرآن الكريم له منهج رائع، وهو أنه يَبدأ بذكر الإيجابيات ويؤخِّر ذِكرَ السلبيات، حتى وإن كانت الإيجابيات قليلةً والسلبيَّات هي الغالِبة"، لافتا إلي أنه بالعودة إلى منهج القرآن في التعامل مع حادثة الإفك، وهي قضية حسَّاسة نُواجِه مثلَها كثيرًا في حياتنا، فحين نتأمَّل سورة النور نجد أن مُعالَجة القرآن تركَّزتْ في المقام الأول على تفاعُل الناس مع الإشاعة وليس على مَضمون الإشاعة، فلم يكن الجزْء الأكبر مِن المُعالَجة القرآنية هو نفي وقوع الحادِثة، ونحن نعلم يقينًا أنها إفْك وافتِراء على أُمِّنا الطاهِرة المُطهَّرة بنت الصديق - رضي الله عنها - لكن أولويَّة القرآن كانت هي تحذير الناس من مجرَّد الخَوض في مثل هذه الشائعات مستقبلاً "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ" و"يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا"، وذلك لأن إشاعة الحديث عن الفاحشة هو أخطر مِن الفاحِشة ذاتها، على افتراض أنها وقعتْ، فلو ضَعُفتْ نفس إنسان وعصى الله في السرِّ، فإنه يَبوء بإثمِه وحده، بينما تبقى الصورة العامَّة للمجتمع ناصعةً مُشرِقةً باعثةً للأمل.
واختنم حديثه عن الأمل، قائلا: "إن الإسلام يريد أن يُطهِّر قلوبنا مِن التصوُّرات السلبية، والأخْيِلة المَريضة، وألا يَكون تفكير الناس نحو أرجلِهم؛ بل تَنصرِف همَّتُهم إلى معالي الأمور، وأن يَشغلوا أنفسهم بالعمل الإيجابيِّ المُثمِر، الذي يَجلب لهم خير الدنيا والآخِرة وسعادتهما"، مضيفا أن الناس اليوم بحاجة إلى مَن يبثُّ في نفوسهم الأمل، ويُيسِّر لهم طريق الخير؛ بتعزيز استِحضار النماذج المُشرِقة؛ حتى يتَّخذونها أسوةً تُبلِّغهم الطريق، أما فقه (زمن الفتن)، فإنه لن يُساهِم في أي رِفعة أو حَضارة، وهو سيُؤدِّي إلى اعتِزال المُخلِصين لمُعترَك الحياة، والعضِّ على جذْع شجَرة بالنواجِذ، وترْك الساحة لأصحاب المبادئ الهدَّامة.