مأساة حقيقة طفحت على مرأى ومسمع من الجميع، وفي محاولات عدة لمواجهتها، لم تأتى ثمارها حتى الآن، ألا وهى ظاهرة انتشار أطفال "العمالة الرديئة" في كل الميادين العامة والخاصة وشوارع ودروب وحارات محافظة سوهاج بجوف صعيد مصر، حيث يقومون بالعمل في نقل ونبش القمامة والمحاجر والحدادة والبيع في الشوارع وغسيل السيارات، والمزارع ومزارع الدواجن والبناء وبعض المحلات.
ا.

لفت انتشار هذه الفئة من الأطفال في شتى البقاع انتباه المواطنين والمسئولين، وخاصة من يعيش منهم طفولة بائسة لا رحمة فيها من الأسرة أو المجتمع، دون تحريك جدي لحل الأزمة، وخطورة هؤلاء الأطفال تكمن في تكوين عصابات مصغرة للسرقة والنشل أو الاغتصاب والتحرش أو التسول بين الناس وتعاطي العقاقير والاتجاه إلى الإدمان.

التقت جريدة وموقع "أهل مصر" بأحد هؤلاء الأطفال، ويدعى " محمد " 14 عاما، برفقة شقيقته "هالة - 7 سنوات"، وكانوا يعتلون دراجة نارية "ترو سيكل " ويقومون بتجميع الزجاجات البلاستيكية والزجاجات الفارغة وأوراق الكراتين وبعض المعلبات الفارغة من الصاج والبلاستيك من داخل الترع وأكوام القمامة.

اقتربنا من الطفلين الذين أكدوا أنهم امتهنوا بتلك المهنة لجني المال، ليعطيه لوالده الذي يعمل بائع حلوى متجول، لمساعدته في المصاريف وسد الحاجات والمتطلبات الأساسية اللازمة للمعيشة، فلديه 8 أبناء وظروف الحياة تزداد صعوبة كل يوم.
وأضاف والدموع تكاد تسيل من عينيه أنه "كان يتمنى أن يكمل تعليمة وشقيقته وباقي أشقائه الذين تسربوا من التعليم، للعمل في الشوارع وتحمل كثير من المسئولية.

أبيع مناديل أحسن من التسول
وعلى بعد خطوات التقينا طفل آخر يدعى "سيد"، 13عاما، يقوم ببيع المناديل بأحد مواقف السيارات، ليؤكد أنه لم يلتحق بالتعليم ولا يمكنه القراءة أو الكتابة، وأن أسرته فقيرة وتقطن بمنزل من الطين على ضفاف إحدى الترع بسوهاج، ويقوم ببيع المناديل بدلا من التسول معلقا: "احنا عايش ومش عايشين يعنى ميتين بالحيا".

اجتماعيون: إهمال أولياء الأمور سبب تلك الظاهرة.. والزيادة السكانية عمقت الجراح
خبراء علم الاجتماع أكدوا أن الإهمال من قبل العديد من الأطراف وراء انتشار الظاهرة، حيث قال مصطفي احمد، الأخصائي الاجتماعي، أن سبب تلك المشكلة ووجود هؤلاء الأطفال بالشوارع يرجع إلى أولياء أمورهم، وأسرهم الذين تركوهم عرضة للضياع والانحرافات في الميادين والشوارع التي لا ترحم ولا تخرج جيلا سويا، وتركوهم في مواجهة المصير المجهول الذي ينتظرهم ،دون أدنى تدخل من الآباء ، أو رقيب عليهم او موجه ناصح لهم.
أما عبدالعال على، الأخصائي الاجتماعي، فأكد أن الزيادة السكانية لها دور كبير في انتشار تلك الظاهرة ،حيث لا يستطيع ولى الأمر غير ميسور الحال على تلبية كل متطلبات الحياة المتزايدة، وخاصة إذا كان لديه عدد كبير من الأبناء، فجميعهم يحتاج مأكل ومشرب وملبس ومنهم من يحتاج دواء ومصاريف دراسية، وانتقالات وغيره، وعند عجزه عن تلبية كل ذلك يضطر لتركهم للخروج للشارع سواء للعمل أو التسول أو السرقة، مما يساعد ذلك في ظهورهم وانتشارهم بالميادين والشوارع شتى.

الإسلام اهتم بحقوق الطفل
أهل الدين كان لهم رأي في الأزمة، إذ قال الشيخ على محمد طيفور، وكيل وزارة الأوقاف بسوهاج، أن الإسلام اهتم بحماية حقوق الطفل من الانتهاكات، واهتم بتأمين مستقبلهم ويحارب الظلم الاجتماعي، وأن التحاق الأطفال بأعمال تحرمهم من المساواة بأقرانهم من الأطفال الآخرين غير مقبول وسيمنعهم من اكتساب كافة حقوقه الأساسية مثل حنان الأم والأب مما يجعلهم أكثر عرضه لأن يكون إنسان غير سوى وضار بالمجتمع .
وشدد طيفور على أن الإسلام حض على رعاية الأطفال وخاصة اليتامى والمشردين أو اللقطاء الذي هجروا منازلهم لظروف مادية أو أسرية قاسية، وجعل الأمة كلها مسئولة مسؤولية مباشرة عن رعاية هؤلاء الأطفال.

أما محمد عبد السلام، وكيل وزارة التضامن الاجتماعي بسوهاج، فقال إن ظاهرة أطفال العمالة الرديئة في المجتمع السوهاجي في الآونة الأخيرة بطريقة ملحوظة، وتسعى مديرية التضامن الاجتماعي بالتعاون مع بعض الجهات المنوطة بذلك لتقديم مساعدات لهم ولأسرهم لتغير من مسار حياتهم للأفضل.
وأضاف: "تم حصر 84 حالة وأسرة من تلك الفئات في السنوات الماضية، وتم التعامل معهم وتقديم المساعدات الاجتماعية لهم ولأسرهم، حيث لا نملك الضبطية القضائية التى تمكننا من التعامل بطريقة مباشرة لهم في الشوارع، وأكد أن أعداد الأطفال تضاعفت كثيرا في آخر عامين، وتمكننا من إلحاق بعض الأسر منهم ببرنامج تكافل وكرامة وبعض المساعدات الاجتماعية الأخرى في محاولة للتخفيف عن تلك الأسر ومساعدتها في تلبية متطلبات أبنائه