-الرقابة الإدارية هى الأمل وهى الخلاص وهى الجهاز الرسمى الذى يعول عليه المصريون لاصطياد الثعالب
-جاوز الفساد التخصص إلـى ما هو أبعد وتوجــه إلـى دولاب الحكومة ذاته
يشير اسمه - دون أدنى شك - إلى إنه مسلم وموحد بالله، وعندما قرأت خبر القبض عليه متلبسا بالرشوة مساء الخامس والعشرين من ليالى رمضان قفز فى رأسى شيطان العقل يسأل: أتراه كان صائما فى نهار هذا اليوم المفترج.. أتراه ركع فى صلواته المكتوبة وصلى ودعا بالستر كما نفعل؟! أو ارتجى منحة الإله فطلب العفو والمغفرة على ما يقترفه المسلمون من ذنوب فى غير شهر رمضان؟!
مؤكد أنه لم يذهب إلى صلاة القيام الجامعة بعد العشاء لأنه توجه إلى مقر عمله فى محافظة القاهرة وفى غرفة مكتبه التقى الراشى ومد يده فقبض الرشوة.. أتراه تردد أو ارتعشت يده وهى تمسك مبلغ الخمسين ألف جنيه، تحت وطأة الخشية من غضب الله أو سطوة القانون؟! ما قبضه كان عربونا (الرشوة مبدئية كما جاء فى أخبار الواقعة) وإذا ما كانت هذه الخمسين (ألفا) التى تساوى راتب موظف حديث أو عامل نظافة فى المحافظة لمدة 50 شهرا هى العربون، فكم يبلغ حجم الصفقة؟! وتداعت الأسئلة تنساب من وحى حالة الانفصام الأخلاقى التى باتت تقسم ذواتنا بين الحلال والحرام وتضيع فيها القيم وتسقط الحدود التى كانت حصينة من قبل تحرسها العقيدة وتحل محلها حالة من التدين الكاذب، وثقافة الشطار والعياريين.. ولا تستبعد فى مثل حالة هذا المرتشى أنه يؤدى الزكاة عن هذا المال الحرام المؤثم ؟! وغير بعيد أن يكون جزء من اتفاق الرشوة أن يرسل الراشى - على نفقته - المرتشى ليؤدى فريضة الحج!!.
لسنوات طالت أكثر من اللازم نتحدث عن الفساد.. فلم نمل الحديث عنه ولا نجحنا فى الحد منه، هذا السرطان الذى أكل ضمائر وأخلاق المصريين.
مثل كثيرين غيري أتابع قضية فساد القمح وإهدار نحو 250 مليون جنيه على الدولة بتسهيل استلاب أصحاب شركات الصوامع للمال العام، المتمثل فى الاستيلاء على قيمة قمح لم يتم توريده بالأساس، من خلال التلاعب فى محاضر غلق الشون عند توريد الأقماح المحلية، هذا غير خلط القمح المحلى بمستورد ردىء والحصول على فرق الأسعار، وقد دخلت جيوب اللصوص من هذه العملية العام الماضى نحو 1،5 مليار ضاعت على الدولة، وربما زاد الرقم هذا العام هذا غير القمح الردىء الذى ابتليت به بطون المصريين، وفساد عمليات توريد وتشوين القمح حكاية معروفة ومشهورة وتجرى وقعائها أمام أعين المسئولين منذ سنوات، وحذرت منها هذه المجلة التى أكتب فيها هذا الكلام مع بداية موسم توريد القمح من خلال ندوة استضافت نقيب الفلاحين ورئيس جمعية التقاوى الزراعية وعددًا من الأكادميين وكانت أكثر تنبيهاتهم تنصب على الفساد الذى يضرب عملية توريد القمح وتشوينه.
أما الجديد الذى لفت نظرى فى حكايات الفساد فهى هذه الحكاية التى جرت وقائعها فى ديوان محافظة القاهرة خلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان المنقضى وانتهت بالقبض على مدير أمن ديوان المحافظة متلبسا بتقاضى رشوة مبلغ 50 ألف جنيه مقابل تسهيل استخراج تراخيص بناء مخالفة، وإذا كان مثل هذا الخبر ليس بجديد، فالإثارة فى تفاصيله تغرى على متابعة هذه التفاصيل.
وتبدأ الإثارة من عند الشخص الذى قدم البلاغ ضد المتهم الذى هو سيادة اللواء مدير أمن ديوان المحافظة، بطل الحكاية أحد عمال البوفيهات فى مبنى المحافظة (ساعى) وبحكم عمله ودخوله وخروجه من وإلى مكاتب المديرين والموظفين عرف عامل البوفيه شيئا عن ممارسات سيادة مدير أمن المحافظة الحالى (وظيفة مدنية) خاصة وأن رائحة الفساد تنتشر فى دواوين المحليات، والفاسد فيها يكون مثل الزمار الذى لا يستطيع أن يخفى ذقنه ولأسباب (سوف نوضحها لاحقا) وصل عامل البوفيه إلى اللواء أحمد تيمور القائم بأعمال محافظة القاهرة وأبلغه بالممارسات المشبوهة لمدير أمن المحافظة والذى يقوم بدور الوسيط فى صفقات الفساد التى يتم عقدها بين طرفين، الأول منهما مواطن يخالف القانون ليحصل على ماليس بحق له والطرف الثانى موظف مسئول فى المحافظة يقنن له المخالفة أو يغمض عينيه عنها، والسيد مدير الأمن بنفوذه داخل ديوان المحافظة يمثل مصدرًا آمنًا وصلة جيدة للطرفين ويطلق عليه فى القانون الجنائى: الوسيط، وهذا الوسيط يحصل على نصيبه من الرشوة فى النهاية.
وتكتمل الإثارة فى الطريقة التى تم بها إيقاع الموظف العام الفاسد، حيث اتفق القائم بأعمال المحافظ ومسئولى الرقابة الإدارية على نصب كمين للمتهم بدفع أحد ضباط الرقابة الإدارية فى طريقه وإيهامه بأنه مواطن يمتلك قطعة أرض مخالفة ويريد استخراج ترخيص للبناء عليها، وتم تسجيل لقاءات المواطن الراشى (الوهمى) بالصوت والصورة حتى تم الاتفاق، وفى ميعاد محدد توجه رجل الرقابة الإدارية إلى مكتب مدير الأمن بالمحافظة ليعطيه المبلغ المتفق عليه كعربون مقابل السير فى عملية تخليص الأوراق الرسمية، وسلم رجل الرقابة الإدارية مسئول الأمن بالمحافظة أوراقًا نقدية تبلغ50 ألف جنيه مسجل أرقامها ومثبتة فى محضر رسمى فى الرقابة الإدارية (لم يجئ ذكر هذا فى أخبار الواقعة المنشورة لكنها إجراءت قانونية لابد من اتخاذها، وعرفها أغلب الناس من الأفلام والمسلسلات) وبعد ثوان من مغادرة رجل الرقابة (المواطن الوهمى) لمكتب مدير الأمن اقتحمته قوة الضبط وقبضت على المتهم متلبسا وحرزت مبلغ الرشوة وحررت محضر الواقعة وأحالت المتهم للنيابة التى واجهته بالفيديوهات والتسجيلات الخاصة بجريمته بعد التحقق منها من خلال عرضها على لجنة من خبراء الإذاعة والتليفزيون.. ومازالت التحقيقات جارية مع المتهم الذى قررت النيابة حبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات.
وعلى هامش متن هذه القصة لابد أن نضع الملاحظة التالية وفيها معلومة تشير إلى أن القائم بأعمال المحافظ اللواء أحمد تيمور كان قد أصدر منذ شهر ونصف الشهر قرارا بندب هذا الشخص المتهم ليقوم بمهام مدير الأمن فى ديوان المحافظة بدلا من آخر يدعى عادل نجيب، وأعاد الأخير ليعمل فى وظيفته بالشئون الإدارية.. وشغل خيالك وعد إلى تركيب الأحداث.. عامل بوفيه يقوم بالإبلاغ عن مدير الأمن فى المحافظة الذى قيل إنه يمارس أعمال الفساد منذ مدة ليست قليلة، وحدث هذا بعد تغييرات فى الوظائف على مستوى قيادات المحافظة، وهذا لاينفى ولا يثبت شيئا بقدر ما يدعو للتساؤل: هل هناك من دفع عامل البوفيه (الآن) للوشاية بالمتهم الذى بالتأكيد مارس هذه العمليات من قبل وبعبارة أخرى: «اشمعنى دلوقت تم الإبلاغ عن المرتشى»؟! عموما فور الواقعة أعاد القائم بأعمال المحافظ المدعو عادل نجيب إلى منصبه كمدير لأمن ديوان المحافظة..آه يا شعب (!!).
الرقابة الإدارية هى الأمل وهى الخلاص وهى الجهاز الرسمى الذى يعول عليه المصريون فى اصطياد الثعالب الكبيرة والصغيرة.. والقائم بأعمال محافظة القاهرة انتهز الفرصة ليشهر سيفه ويعلن عن انتصارات قريبة له وتعاون دائم مع الرقابة الإدارية على مدار ساعات اليوم سعيا إلى التطهير والتطهر.. تطهير أحد أكبر أوكار الفساد فى مصر المتمثل فى المحليات، والتطهر من آثام مرؤسين مرتشين منهم من تسبب فى قتل العشرات أو دفنهم أحياء جراء انهيار عقارات مخالفة فى البناء أو غير مطابقة للمواصفات أو انتهى عمرها الافتراضى..
ارتكبوا هذه الجرائم ولم يطرف لهم جفن أو شعروا بتأنيب الضمير، بل ذهبوا ينظرون ببجاحة إلى زملائهم من الموظفين الذين يقاومون السقوط والتدنى، مخافة الله، وتندروا عليهم فوصفوهم «عبط» و«فقريين» وسذج.. وليسوا شطارًا يجارون مثلهم الضرورة والأيام التى تزن البشر بالجنيه وتحترم اللصوص خاصة إذا كانوا من هؤلاء الذين يركبون المرسيدس ويحرسهم البودى جارد.
ونعود للقائم بأعمال المحافظ الذى أعلن على سبيل الفخر فى تصريحات صحفية أنه ساعد فى القبض على مدير الإسكان ومدير إدارة المحال السابق فى المحافظة وموظف بحى المقطم حاولوا تسهيل إصدار ترخيص لمقهى غير مرخص وتحويله إلى مطعم سياحى خمس نجوم بميدان النافورة بالمقطم نظير تقاضيهم رشوة.. ونحن إذ نشكر القائم بالأعمال نلفت نظر سيادته إلى أن الفساد أكبر وأعمق وأخطر من ذلك.. وندعـو له بالتوفيق فى الإيقاع بالحيتان الكبار وألا يكتفـى فقط بـاصطيـاد (البساريا).
وعلى ذكر الحيتان والبساريا ففى المنطقة التى أسكن فيها وتنشط فيها أعمال البناء وتصعد الأبراج السكنية فتتجاوز الأدوار العشرة فى شوارع وحارات لا يزيد عرضها فى أقصى اتساع لها عن ثمانية أمتار، أخبرنى أحد سكان المنطقة عن سر هذه الأبراج فقال إن أصحابها مقاولون كبار لا يكتفون فقط بتخليص أشغالهم فى المحافظة والحى ولكنهم أيضا يقومون بدور المرشد، فما أن يبدأ أحد غيرهم فى البناء بالمخالفة أو دون ترخيص حتى يبلغوا عنه مسئولى الحى ويأتى المسئول لا ليضبط المخالفة ولكن للاتفاق مع المخالف على ثمن إغماض العين عن مخالفته حتى ينتهى من أعمال البناء، وهكذا وسّع المقاولون من نشاطاتهم وأضافوا إليها نشاط البصاصين مقابل حماية مصالحهم هم المؤثمة قانونًا.
واقعة مدير أمن ديوان محافظة القاهرة فتحت شهية الصحافة لتفتح مجددًا الملفات السوداء لقضايا الرشوة وفى الموقع الإلكترونى لصحيفة الوفد يوم الجمعة الأول من يوليو الحالى جاء فى تقرير منشور أن الرقابة الإدارية خلال عام منقض ضبطت 14 واقعة رشوة (غير رشوة مدير أمن المحافظة) أشهرها واقعة وزير الزراعة السابق د.صلاح هلال الذى ألقى القبض عليه وهو خارج من مبنى رئاسة مجلس الوزراء عقب تقديم استقالته على خلفية تلقيه رشاوى هو واثنين آخرين من مساعديه مقابل تقنين وضع يد أحد رجال الأعمال على 2500 فدان بوادى النطرون بالمخالفة للقانون، كان ذلك فى شهر سبتمبر من العام الماضى وتم إصدار حكم ضد الوزير وأحد مساعديه بالسجن 10 سنوات فى القضية التى لابد أن تنقلنا من فساد المحليات إلى فساد فئة أخرى من المسئولين عن أراضى الدولة الموزع مسئوليتها على عدد من الوزارات أبرزها الزراعة والإسكان، وتختص الوزارتان الأخيرتان بالنصيب الأكبر من قضايا الرشوة والفساد فى تاريخ مصر الحديث، والمثال الصارخ فى هذا الأمر هو طريق مصر الإسكندرية الصحراوى الذى يبقى شاهدًا على أكبر عملية فساد حيث تحولت فيه الأرض المخصصة – من وزارة الزراعة – للزراعة إلى منتجعات وقصور وفلل وبعد أن كانت نسبة الأرض المخصصة للبناء عليها 2% قررت الحكومة قبل ثورة يناير بعام تقريبا رفعها إلى 7% وكانت تخطط لرفعها مرة أخرى لتصل بها إلى 22% وبناء عليه تجاوز سعر الفدان مليون جنيه وقد اشتراه الشطار من الحكومة بجنيهات معدودة بدعوى زيادة الرقعة الزراعية وتم التعامل مع رصيد مصر من المياه الجوفية فى هذه المنطقة برعونة واستهتار لا مثيل لهما فبدلا من توجيهها لزراعة الطعام الذى يكوى سعره الآن الفقراء ثم سحبها لرى ملاعب الجولف وملء البحيرات الصناعية.. وخرجت تحذيرات تشير إلى نضوب خزان المياه الجوفى خلال 20 عاما إذا استمر السحب منه بالطريقة المعمول بها، لكن لاحياة لمن تنادى، والدولة تجرى الآن وراء هؤلاء الشطار الذين استولوا على هذه الأراضى وخالفوا الغرض المخصص لها وتربحوا من وراء ذلك الملايين والمليارات، وتطالبهم الدولة بدفع تعويضات مالية بسيطة عن مخالفاتهم وتهددهم ببلدوزر الإزالة فلا يستجيبون، وتعود فتمنحهم مزيدًا من الوقت لعلهم يرعووا، لكن لا جديد فى مسلسل حقوق الدولة الضائعة، والشطار.
ولك أن تضحك حتى تدمع عيناك عندما تعرف أن فساد موظفى الوزارات لا يتوقف عند النشاطات التى تتخصص فيها هذه الوزارات فقط، فقد جاوز الفساد التخصص إلى ما هو أبعد، وتوجه إلى دولاب الحكومة ذاته.. إلى إحياء الموتى على الورق واختراع بشر لا وجود لهم من خلال التزوير فى الأوراق الرسمية للحصول على مبالغ مالية غير مستحقة أو تسهيل حصول الغير عليها مقابل عمولة وكمثال على هذه الجرائم - كان مسرحها أيضا وزارة الزراعة – ما كشفت عنه تحريات مباحث الأموال العامة من وجود موظفين بقطاع استصلاح الأراضى بالوزارة تورطا فى إنشاء ملفات تأمينية بلغ عددها 43 ملفا تأمينيا لموظفين وهميين لا يعملون بالقطاع ولا الوزارة من الأساس وخلال المدة من عام 2004 إلى عام 2013 تم صرف مبالغ قدرت بـ (2 مليون و330 ألف جنيه) من أموال الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى.. صرفها المزورون لأنفسهم فى صورة معاشات بأسماء الموظفين الوهميين، أو صرفوها لغير المستحقين مقابل عمولة، ويذكرنى هذا بظاهرة الأرامل اللاتى يتزوجن عرفيا ليحافظن على معاش الزوج أو اللاتى يتطلقن من أزواجهن ليحصلن على معاش الأب المتوفى، وصور أخرى من التحايل فى سلوكيات لم تعد تثير الاستنكار عند المصريين (!!)
صور أخرى من الفساد لن تسع هذه المساحة ولا ضعفها ولا أكثر من ذلك فى إيرادها أو الكشف عنها، لكنها كلها تقودنا فى النهاية إلى نتيجة واحدة وهى أن أساليب الفساد تعددت، وحدود الحلال والحرام فيه تماهت فلم نعد نعرف له حدودًا قاطعة أو مانعة وتحولت سلوكياته السلبيه إلى أمور معتادة وسلوك مقبول نسبيا من المجتمع، وقد بدأ يحدث هذا بفجاجة مع عصر الانفتاح الذى شهد قيام وظهور طبقة طفيلية لبلابية تنمو وتصعد لأعلى من خلال سرقة غيرها من الكائنات الحية، لا يردعها قانون لأنها تحالفت مع حراس القانون فأصبغوا عليها رعايتهم، ولم يوقفها ضمير لأن المكاسب أماتته، ولم تتحسب لمجتمع لأن الانقلاب القيمى أعمى الجميع.. هؤلاء الشطار لصوص السبعينيات والثمانينيات الذين سجل غزواتهم نجيب محفوظ وخيرى شلبى فى رواياتهما، ورثهم أبنائهم فى التسعينيات والعشرة الأولى من القرن الذى نعيش فيه، وعلى هامشهم ولدت نماذج أخرى من البلطجية كانت الحيتان تستأجرهم من قبل لحماية مصالحها، دائرة جهنمية من الفساد مازال كتّاب الدراما ينهلون من معين حكاياتها، ومن سيرة مثقلة بكل ما هو سيئ وردىء، ويخلقون منها نماذج للمحاكاة لأجيال وأجيال قادمة لن تجد من يحسن تربيتها ولا تعرف أن الفساد يقتل الأرواح والضمائر قبل أن يكلف الدولة الملايين والمليارات من الجنيهات كان يمكن أن توجه لخلق حياة أفضل لبشر محرومين من حقوق السكن أو التعليم، أو تعالج مرضى السرطان وفيرس «سى» أبطال إعلانات شهر الزكاة والصدقات، وتهوّن المعيشة على فقراء هذا الوطن المكويين بالغلاء ونار الأسعار.