في تطور عسكري بارز يُمثّل تحولاً جذرياً في مسار المواجهات الميدانية، أعلن الجيش الإسرائيلي فرض سيطرته الكاملة على سلسلة من النقاط والمواقع الاستراتيجية في عمق الجنوب اللبناني، بالتزامن مع بدء توغل بري واسع النطاق تجاوز فيه الخطوط الحمراء التقليدية متجهاً نحو مناطق شمال نهر الليطاني. وجاء هذا الإعلان وسط تصعيد جوي ومدفعي عنيف غير مسبوق استهدف خطوط الدفاع الخلفية ومراكز القيادة والسيطرة التابعة لحزب الله، مما مهد الطريق أمام تقدم الآليات المدرعة والوحدات النخبوية الإسرائيلية عبر محاور قتالية متعددة، في خطوة تعكس رغبة تل أبيب في فرض واقع أمني وعسكري جديد على طول الحدود الشمالية وتغيير قواعد الاشتباك القائمة منذ سنوات.
وتأتي هذه التحركات البرية المكثفة في إطار عملية عسكرية متدحرجة، أكدت القيادة العسكرية الإسرائيلية أنها تهدف إلى تفكيك البنية التحتية لحزب الله وإبعاد خطره الصاروخي عن مستوطنات الشمال، حيث تركزت عمليات السيطرة الأولى على التلال الحاكمة والممرات الجبلية التي تشرف على القطاعات الشرقية والأوسط والغربية من الجنوب. وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن تل أبيب، فإن القوات الغازية تمكنت من اختراق الدفاعات الأمامية والوصول إلى نقاط جغرافية حاسمة تتيح لها رصد وقطع خطوط الإمداد الحيوية للفصائل اللبنانية، قبل أن تبدأ وحدات خاصة ومجموعات قتالية مدرعة في عبور مجرى نهر الليطاني والتوغل في عمق المناطق الواقعة شماله، وهو ما يشكل تجاوزاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي كان ينص على خلو المنطقة الواقعة بين النهر والحدود من أي وجود مسلح لغير القوات الحكومية واليونيفيل.
وعلى الجانب الآخر، فجّر هذا التوغل الإسرائيلي المتسارع وتجاوز خط الليطاني موجة عارمة من ردود الفعل والاشتباكات الضارية على الأرض، حيث أعلنت مصادر ميدانية لبنانية أن مقاتلي حزب الله يخوضون معارك عنيفة بمواجهة القوات المتقدمة، مستخدمين الصواريخ الموجهة والعبوات الناسفة والكمائن المركبة لإعاقة التقدم الإسرائيلي وتكبيد القوات المتوغلة خسائر في الأرواح والعتاد. وفي غضون ذلك، يعيش الشارع اللبناني والأوساط السياسية حالة من الاستنفار الشديد وسط تحذيرات من كارثة إنسانية واسعة النطاق جراء حركة النزوح الكثيفة للمدنيين من القرى والبلدات المستهدفة نحو عمق البلاد والعاصمة بيروت، في وقت تبدو فيه التحركات الدبلوماسية الدولية عاجزة حتى الآن عن كبح جماح التصعيد أو التوصل إلى صيغة لوقف إطلاق النار.
وفي الأبعاد الاستراتيجية والإقليمية لهذا التحول الميداني الخطير، يرى مراقبون ومحللون عسكريون أن وصول القوات الإسرائيلية إلى شمال نهر الليطاني يهدف إلى إنشاء حزام أمني وعازل جديد بعمق استراتيجي أكبر مما كان عليه في العقود الماضية، بهدف حرمان حزب الله من إعادة تموضعه مستقبلاً على الحدود مباشرة. ومع استمرار تدفق الحشود العسكرية الإسرائيلية نحو الجبهة وتوسيع رقعة القصف الجوي لتشمل مختلف الأراضي اللبنانية، تظل المنطقة مفتوحة على كافة الاحتمالات، بما في ذلك انزلاق الأوضاع إلى حرب إقليمية شاملة قد تتداخل فيها أطراف دولية وإقليمية متعددة، خاصة إذا ما استمر العجز الدولي عن فرض تسوية سياسية تعيد الاستقرار إلى هذه الجبهة المشتعلة.