ads
ads

نكشف بالأسماء والرتب والوظائف .. سر الدفعات 40 و41 و42 حربية سودانية : كيف أحكم الإخوان قبضتهم على مفاصل الجيش السوداني؟

سلاح "الياسين" كشف المحور التسليحي العابر للحدود بين كتائب البراء وحماس ( صورة )

الحرب في السودان
الحرب في السودان

في شارع جانبي من شارع فيصل الشهير في مصر، تتراص المحلات والمقاهي والمطاعم المملوكة للسودانيين الهاربين من نار الحرب إلى مصر. نجح الهاربون من جحيم الحرب، في أن يخلقوا لأنفسهم حياة جديدة في القاهرة، وعلى خلاف المعتاد، يعمل شاب سوداني في وظيفة كانت حكراً على المصريين، وهي وظيفة عامل الشيشة الذي يكون مسؤولاً عن متابعة الزبائن وتغيير حجارة النرجيلة والتبغ الشعبي المعروف باسم 'المعسل'. لفت نظري الشاب الذي يبدو في نهاية العقد الثالث من العمر بصمته، وهو صمت غير معهود على العمال الذين يعملون في المقاهي المصرية المعروفة بضجيجها وصياح من يعمل فيها. ولكن عند قدوم صديق لي من مثقفي السودان الذين يعيشون في القاهرة من قبل نشوب الحرب بفترة طويلة، تعرف على الشاب وعرفني عليه بأنه مهندس هارب من التجنيد في صفوف الجيش السوداني تحاشياً لأن يقتل سودانيين من بني وطنه، ورفضاً منه للحرب التي تمزق بلاده مهما كانت المبررات التي يسوقها كل طرف من طرفي القتال.أخبار مصر

لم يَكُن من الصعوبة أن أدرك أن الشاب لديه ما يحكيه عن الحرب، ولكن الصعوبة الحقيقية تمثلت في أن أقنعه بضرورة نشر ما حكاه لي بعد أسابيع من اللقاءات المشتركة بيني وبين صديقي المثقف. وكان لابد لي من اتفاق يقنعه بنشر ما سرده لي حتى بدون أن أنشر صورته أو أذكر اسمه حتى ولو بالحروف، لكن ما كشف لي عنه جعلني أصارحه بأن ما يملكه من معلومات لا تتوافر لجندي هارب من الحرب في بلاده، فكان الصمت هو إجابته عن ملاحظتي الأخيرة.

كشف لي محدثي عن حقائق مثيرة حول قيادة الجيش السوداني التي تسيطر على مفاصل القوات السودانية التابعة لمجلس السيادة برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، وأن هذه القوات تقع بالكامل تحت سيطرة ضباط الدفعات (40 و41 و42) بالكلية الحربية السودانية، وهي الدفعات التي التحقت بالكلية الحربية السودانية في فترة التسعينيات، وهي فترة صعود ما يسمى بالحركة الإسلامية في السودان وتحالفها مع نظام الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، وهي الدفعة الخالصة الولاء للحركة الإسلامية، التي أشرف على انتقاء عناصرها والتحاقهم بالكلية الحربية السودانية إبراهيم شمس الدين، وزير الدولة بوزارة الدفاع السودانية بنفسه، والذي ظل في منصبه حتى تاريخ وفاته في يوم الأربعاء 4 أبريل 2001 إثر تحطم طائرة عسكرية رفقة 14 ضابطاً سودانياً. وكان، قبل أن يلقى مصرعه في الحادث الغامض، مسؤولاً عن الأمن في الخرطوم والجنوب، عمل بسلاح المدرعات وقوات الحدود ومستشاراً لرئيس الجمهورية للأمن. وحيث أشرف شمس الدين شخصياً على قبول طلاب هذه الدفعات بالكلية الحربية وتأكده التام من ولائهم للحركة الإسلامية، وهو الاسم الذي كان يطلق على جماعة الإخوان في السودان خلال هذه الفترة.خطط للعطلة

ويسيطر ضباط هذه الدفعات على إدارة غرف العمليات الإستراتيجية والمحاور المعقدة في المؤسسة العسكرية السودانية – ولا سيما في سلاح المدرعات بالشجرة، وسلاح المهندسين، وقاعدة وادي سيدنا الجوية، إلى جانب ملفات التعبئة والتوجيه المعنوي – تحت إشراف وتأثير مباشر من قيادات عسكرية بارزة، من بينهم اللواء ركن أيوب عبد القادر، واللواء ركن دياب بدر دياب، والعميد عامر محمد الحسن، واللواء ركن د. محمد الأمين شبو، واللواء ركن عبد المحمود حماد، واللواء ركن عثمان محمد حامد (مارس)، والعميد ركن خالد سارة، والمقدم ركن خليل محمد سليمان، والمستشاران القانونيان عبد الرحمن أبكر يعقوب ومحمد بشير زروق. ووفر هؤلاء الضباط، مع المئات من الضباط الأصغر رتبة التابعين لهم، غطاءً سياسياً وعسكرياً ولوجستياً للكتائب الإسلامية الجهادية مثل 'كتيبة البراء بن مالك' و'الفرقان' و'البرق الخاطف'، مما يكشف عن أبعاد وتطورات تجاوز حدود النزاع العسكري التقليدي إلى رسم خارطة نفوذ عقائدية تتداخل فيها أجندات التنظيمات الإسلامية المتطرفة والجناح المسلح للتيار الإسلامي وفلول النظام السابق مع مفاصل القوات المسلحة.

وبعد أن ظهرت على ملامحي الدهشة من غزارة المعلومات التي بحوزة الشاب، عامل الشيشة السوداني، حول الطبيعة الأيديولوجية للضباط المسيطرين على مفاصل الجيش السوداني، أخبرني بأن ما يسرده لي ليس سرّاً على معظم من خدم لفترة، ولو لم تكن طويلة، في الجيش السوداني لكنني في النهاية تفهمت طلبه بإخفاء هويته، وتفهمت تخوفه على سلامته الشخصية إن عرف أحد طبيعة المعلومات التي أدلى لي بها .

خطاب رسمي بصيغة الأوامر العسكرية من مصباح أبو زيد لوالي الخرطوم لاحتواء مؤسسات الدولةخطاب رسمي بصيغة الأوامر العسكرية من مصباح أبو زيد لوالي الخرطوم

خطاب رسمي بصيغة الأوامر العسكرية من مصباح أبو زيد لوالي الخرطوم لاحتواء مؤسسات الدولة

أما أخطر الوثائق التي تكشف مدى سيطرة الكتبية على مفاصل القوات المسلحة السودانية فهي المذكرة التي صدرت مطبوعة على نموذج لمخاطبات هيئة الأركان للقوات المسلحة السودانية، برقم 2 . 2025 وبتاريخ 7 . 11 . 2025 م ، بعنوان ( خطاب استنفار ) وموجهة لوالي الخرطوم بتوقيع مصباح أبو زيد طلحة إبراهيم ومختومة بخاتم قوات الإسناد الخاصة، وجاء فيها :

إلحاقاً للتوجيه الرسمي الصادر من مجلس الأمن والدفاع بتاريخ الرابع من نوفمبر ٢٠٢٥م القاضي باستنهاض واستنفار الشعب السوداني لمساندة القوات المسلحة، وفي إطار الواجب الوطني والديني للدفاع عن الدين والأرض والعرض والقيم والهوية الوطنية، وحفاظاً على وطننا من مخططات قوى البغي والشر التي تسعى لإضعاف البلاد وتقسيمها لدويلات صغيرة لتمكين نهب ثرواتنا وتدمير مقدراتنا، ونظراً لخطورة المرحلة وضرورة التحرك السريع، فإن قوات الإسناد الخاصة توجه إليكم النداء التالي:

1. ندعو جميع منسوبي مؤسستكم بمختلف الدرجات الوظيفية إلى الانخراط في الاستنفار والانضمام إلى معسكراتنا وقواتنا المتقدمة للعمليات، مع الالتزام التام بمتطلبات التجهيز والتدريب والتفويج للاندماج إلى المتحركات لدعم ومساندة القوات المسلحة السودانية — ذوداً ودفعاً بالنفس — والمشاركة المباشرة في العمليات حسب الحاجة.

2. نأمل من حضرتكم تعميم هذا الخطاب رسمياً على جميع الموظفين والعاملين بمؤسستكم، وتيسير إجراءات تفريغ الراغبين في الانخراط للاستجابة بالمتطلبات العملياتية، مع الاحتفاظ بكامل مخصصاتهم وعلاواتهم خلال فترة التفريغ، وضمان إتمام مستحقاتهم عند العودة.

3. تؤكد القيادة على رعاية أسر شهداء وجرحى الخدمة المدنية وفق الإجراءات والنظم المعتمدة، وضرورة تسهيل إجراءات التعريف والتمكين لأسرهم لتلقي الدعم والرعاية اللازمة.

4. نُعرب عن ثقتنا التامة في استجابتكم السريعة لهذا النداء الوطني في هذا الظرف الحرج، فموقف مؤسساتنا الحكومية والخدمية هو عنوان المصداقية والوطنية، وبدوركم القيادي تكونون قدوة تُحتذى في التضحية والبذل لخدمة الوطن.

وليعلم الجميع أن المرحلة تتطلب تلاحماً كاملاً بين القوات المسلحة ومؤسسات الدولة وشعبها؛ فلا زمن الآن الامتناع ولا مجد إلا للجند الذين يهبون للدفاع عن الوطن. الله أكبر، الله أكبر، عاشت البلاد قوية آمنة محروسة بسواعد أبنائها.

وحيث يكشف الخطاب عن حجم النفوذ الكبير لقائد كتائب البراء مصباح أبو زيد طلحة إبراهيم للدرجة التي يخاطب فيها والي الخرطوم أقرب منه للأوامر العسكرية، بما في ذلك النص على احتفاظ المتطوعين من العاملين في الولاية بكافة رواتبهم ومميزاتهم المالية، وحيث تبتعد صيغة الخطاب عن أنه مجرد توجيه أو اقتراح.

وتعود جذور كتيبة البراء التي تسيطر لى ما يسمى بقوات الإسناد الخاصة ، ويقودها حاليا المصباح أبو زيد تحت ستار قوات الإسناد الخاصة

، إلى 'قوات الدفاع الشعبي' التي أنشأها نظام عمر البشير عام 1989 كقوة رديفة شبه عسكرية للجيش الرسمية. و تحالفت الكتيبة مع القوات المسلحة السودانية في الحرب الأهلية للقتال ضد 'قوات الدعم السريع' وحلفائها. وعقب اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، قام الجيش السوداني بتعبئة المدنيين ضمن ما يُعرف بـ 'كتائب المقاومة الشعبية' – والتي ضمت نحو 12 كتيبة – حيث برزت كتيبة البراء بن مالك متوسعةً بسرعة في الحجم والشدة، لتتحول من مجرد كتيبة إلى لواء كامل يضم قرابة 35,ألف مقاتل. وتعتمد الكتيبة في تكوينها على شبكات تنظيمية مرتبطة بفلول نظام البشير وجماعة الإخوان المسلمين. وكان القيادي البارز في الكتيبة، محمد الفضل، قد أعلن بيعته لتنظيم 'داعش' قبل مقتله في المعارك. كما دعا قادة آخرون، مثل أنس عمر، الكتيبة إلى عرقلة أي مسار للانتقال إلى الحكم المدني، والإبقاء على سيطرة القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان. ويرى المراقبون أن الصبغة الأيديولوجية المتطرفة للكتيبة تعمل على شحن المؤسسة العسكرية عقائدياً، وتزيد من رقعة إراقة الدماء، وتضعف فرص الوصول إلى اتفاق السلام في السودان الجريح .

الدكتور عبد المنعم مختارالدكتور عبد المنعم مختار

ويتفق الدكتور عبد المنعم مختار، المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات، مع ما معظم ما سبق لكنه يضيف أن الكتيبة تتحرك وفق نموذج تنظيمي شبكي يعتمد على اللامركزية في إدارة العمليات وتوزيع الأدوار القيادية ميدانيًا؛ وهو تكتيك يمنح خلاياها مرونة فائقة في الحركة والمناورة، وإن كان يُفرز على الجانب الآخر تعددًا في أجنحة صناعة القرار. وتُدار هذه المجموعات عبر كوادر ميدانية تباينت التقديرات حول حجم القوة البشرية المنضوية تحت إمرتها، لا سيما مع الارتفاع الملحوظ في معدلات التجنيد عقب اندلاع الصراع.

وميدانيًا، ينقسم البناء العسكري للتنظيم إلى تشكيلات خاطفة وصغيرة الحجم تتوزع على المحاور الساخنة في العاصمة والولايات. وتتيح هذه الصيغة للهيكل المسلح قدرة عالية على التكيّف والتجميع وتغيير التكتيكات بحسب طبيعة المواجهة، في محاكاة أسلوب قتال العصابات الذي يميز النزاعات الداخلية الحديثة. أمّا مسار التعبئة والاستقطاب، فيرتكز على ثلاثية الشحن العقائدي، واستغلال الشبكات المجتمعية والتنظيمية، إلى جانب استثمار التداعيات المعيشية والأزمات الاقتصادية التي خلّفها القتال. وقد أدى هذا المزيج إلى جذب فئات متنوعة تضم طلابًا وشبابًا وفئات متأثرة بتدهور الأوضاع، وينتمون لجهات ورقع جغرافية متعددة على امتداد البلاد. وتتغذى ترسانة التشكيل من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة عبر قنوات متعددة؛ تشمل الحصول على العتاد مباشرة من المستودعات الرسمية للجيش، إلى جانب الاعتماد على خطوط التهريب وتجار السوق السوداء، مستفيدة في ذلك من حالة الانفلات الأمني وتفشي السلاح غير المنضبط في مناطق النزاع، مشيرا في نفس الوقت لتجنيد الأطفال في الحرب السودانية من خلال دعاية دينية مكثفة تستهدف أطفال المدارس الفقراء والمهمشين.

سلاح "الياسين" ومسيرات إيران: كشف المحور التسليحي العابر للحدود بين كتائب البراء وحماس والحرس الثوري

وفي بُعد التسليح والخبرات القتالية، يظهر البعد الإقليمي والتنسيق الفني المتقدم بين هذه الفصائل والتنظيمات العابرة للحدود؛ فقد كشف التتبع الميداني لنوعية الذخائر والعتاد المرصود لدى الكتائب الإسلامية السودانية عن استخدام ذخائر وقذائف متطابقة مع تلك التي تطورها وتستخدمها حركة حماس، ولا سيما قذائف 'الياسين 105' الترادفية المضادة للدروع (Tandem-charge RPG) المخصصة لااختراق المركبات المدرعة، إلى جانب قذائف العبوات الصدمية والترادفية المخصصة لاستهداف التحصينات والأفراد (مثل PG-7VR وTBG)، وقذائف الهاون المعدلة من عياري 81 ملم و120 ملم. إن هذا التطابق والتنسيق التسليحي والتكتيكي يبرز حالة من تبادل الخبرات العسكرية وشبكات الإمداد بين الحركات الجهادية، وهو ما يخدم الاستراتيجية الأيديولوجية للإخوان المسلمين الرامية إلى تحويل الساحة السودانية إلى مركز لتلاقي المصالح وتوحيد أدوات القتال بين مختلف التنظيمات المتشددة.

قذيفة الياسين من تصنيع حماس في يد عنصر من كتائب البراء قذيفة الياسين من تصنيع حماس في يد عنصر من كتائب البراء ويتقاطع هذا التنسيق التسليحي مع الدعم الخارجي الإقليمي، حيث تلقت القوات المسلحة السودانية طائرات مسيرة قتالية من إيران، من بينها طائرات 'مهاجر-6' المصنعة من قبل شركة 'القدس' لصناعات الطيران. وعلاوة على ذلك، خضع مقاتلون من كتيبة البراء بن مالك لتطوير وتدريب مباشر من الحرس الثوري الإيراني على تشغيل هذه الطائرات المسيرة المتقدمة وأنظمة الزوارق البحرية المفخخة.

نشاط الفصائل الجهادية في صفوف الجيش السوداني يمتد للدول المجاورة في القرن الأفريقي

ولكن الهادي إبراهيم، المحلل السياسي السوداني، يحذر من أن نشاط الكتائب الإسلامية في السودان لم يعد قاصراً فقط على حدود الأراضي السودانية، بل إن الضغوط الغربية المتزايدة على التنظيمات الإسلامية تدفع الفصائل الجهادية في صفوف القوات المسلحة السودانية إلى البحث بشكل متزايد، خارج حدود السودان، عن التمويل والنفوذ والعمق الإستراتيجي. وبناءً عليه، فإن ظهور شبكة منظمة لكتيبة 'البراء' عبر القرن الأفريقي سيمثل ما هو أبعد بكثير من مجرد تطور آخر في الحرب الأهلية السودانية. ومع تصنيف الكتيبة رسمياً بموجب تشريعات الإرهاب الأمريكية وتوثيق واشنطن علناً لعلاقتها بالحرس الثوري الإيراني، فإن إثبات قيام مقاتليها بإنشاء شبكات عملياتية تمتد من إريتريا إلى الصومال وكينيا وأوغندا وتشاد، من شأنه أن يحول المجموعة من ميليشيا إسلامية يتركز نشاطها في السودان إلى فاعل أمني إقليمي بارز، مشيراً إلى أن هذا الوضع سوف ينعكس بشكل عام على الوضع في السودان وباقي دول القرن الأفريقي طالما بقيت المجموعات الجهادية متداخلة في شبكات التمويل والتجنيد وإدارة العمليات جنباً إلى جنب مع قيادات عقائدية داخل الجيش. إن استمرار هذا الاعتماد يتسبب في طمس الفواصل بين المؤسسة العسكرية الرسمية والجهات الفاعلة من غير الدول، ويقوض أي فرص مستقبلية لتحقيق وقف إطلاق النار أو الانتقال السلمي، بالنظر إلى أن هذه الفصائل تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة دينية وضرورة وجودية لتأمين بقائها والنفوذ الإخواني في المنطقة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً