ads
ads

«العالم أكبر من خمسة».. لماذا تحول خطاب أردوغان في الأمم المتحدة إلى رسالة جامعة لأزمات العالم؟

أردوغان
أردوغان

لم يكن خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد كلمة جديدة تضاف إلى عشرات الكلمات التي يلقيها قادة العالم كل سبتمبر في نيويورك.

الخطاب هذه المرة بدا أقرب إلى محاولة لجمع ملفات عالمية متباعدة داخل رؤية سياسية واحدة؛ من غزة وفلسطين إلى الحرب الروسية الأوكرانية، ومن السودان ولبنان إلى سوريا وإيران، ومن البحر الأسود إلى مضيق هرمز، وصولًا إلى إصلاح مجلس الأمن ومستقبل النظام الدولي نفسه.

لكن الجملة التي يمكن أن نقرأ من خلالها الخطاب بأكمله جاءت مختصرة للغاية.

«العالم أكبر من خمسة»

وهي العبارة التي يستخدمها أردوغان منذ سنوات في انتقاده لاحتكار الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن — الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا لامتيازات استثنائية داخل النظام الدولي.

الجديد لم يكن في العبارة نفسها، وإنما في اللحظة التي أعاد أردوغان طرحها فيها.

فعالم سبتمبر 2026 ليس هو العالم الذي طُرح فيه هذا الشعار للمرة الأولى؛ الحروب اتسعت، والصراعات أصبحت أكثر تشابكًا، والممرات البحرية تحولت إلى جزء من المواجهة، وأصبحت قدرة المؤسسات الدولية على إيقاف الحروب موضع نقاش متزايد.

ومن هنا اكتسبت عبارة «العالم أكبر من خمسة» معنى أوسع داخل خطاب نيويورك.

من غزة إلى أوكرانيا.. خريطة أزمات على منصة واحدة

بدأ أردوغان من نقطة لافتة حين تحدث عن وجود أكثر من 60 صراعًا وحربًا حول العالم، واعتبر أن الأشهر الاثني عشر الماضية كانت من أكثر الفترات دموية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

وذكر في هذا السياق غزة وأوكرانيا وروسيا وميانمار ودارفور وإيران ولبنان، ولم يكن تعداد هذه المناطق مجرد استعراض لخريطة الصراعات.

الرسالة السياسية التي حملها الخطاب كانت أن المشكلة، من وجهة النظر التركية التي عرضها أردوغان، لم تعد في وجود أزمة هنا أو حرب هناك، وإنما في قدرة النظام الدولي نفسه على التعامل معها.

ومن هنا انتقل مباشرة إلى الأمم المتحدة، فالمنظمة التي تأسست قبل 81 عامًا من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين، قال أردوغان إنها أصبحت غير قادرة على أداء هذه المهمة.

ثم طرح السؤال الأصعب ضمنيًا: كيف يمكن لأكثر من 190 دولة أن تشارك في منظمة دولية، بينما تظل القرارات الأكثر حساسية في قضايا الحرب والسلام مرتبطة بخمس دول تمتلك العضوية الدائمة وحق النقض؟، وهنا عادت عبارته.. «العالم أكبر من خمسة».

لماذا أصبحت الجملة أهم من مجرد شعار تركي؟

لأن أردوغان لم يطرح هذه المرة فقط فكرة زيادة عدد أعضاء مجلس الأمن.

رؤيته للإصلاح أكثر جذرية؛ فهو ينتقد أصلًا فكرة العضوية الدائمة وامتياز «الفيتو»، ويرى أن منح الامتياز نفسه لدول إضافية لا يعالج جوهر المشكلة.

وهذا تحديدًا هو الجزء الأكثر إثارة للجدل في رؤيته.

فروسيا، على سبيل المثال، أبدت في أعقاب طرحه تأييدها لتوسيع العضوية الدائمة في مجلس الأمن، لكنها تمسكت في الوقت نفسه باستمرار حق النقض والعضوية الدائمة.

أي أن الخلاف هنا ليس على ضرورة إصلاح الأمم المتحدة فقط، وإنما على أي إصلاح نريد؟.

هل يصبح مجلس الأمن أكثر اتساعًا مع الإبقاء على بنيته الأساسية؟

أم يعاد التفكير في الامتيازات التي تأسس عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

هذا هو النقاش الذي حاول أردوغان نقله إلى قلب خطابه.

فلسطين.. القضية التي احتلت قلب الكلمة

ورغم اتساع الملفات، ظلت فلسطين في مركز الخطاب.

دعا أردوغان الدول التي لم تعترف حتى الآن بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في مواقفها، وجدد تأييده لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

كما توقف عند غياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن قاعة الجمعية العامة، معتبرًا ذلك ظلمًا للفلسطينيين، ومؤكدًا أن تركيا ستواصل طرح القضية الفلسطينية من منصة الأمم المتحدة.

لكن الأهم أن أردوغان لم يقدم غزة باعتبارها أزمة إنسانية منفصلة عن بقية خطابه.

لقد استخدمها عمليًا باعتبارها اختبارًا لقدرة النظام الدولي على تنفيذ القواعد التي وضعها بنفسه.

ومن هنا أصبح الانتقال من غزة إلى إصلاح مجلس الأمن منطقيًا داخل بنية الخطاب؛ فالرئيس التركي أراد القول إن الأزمات الإنسانية الكبرى لا يمكن فصلها عن آليات اتخاذ القرار الدولي.

أوكرانيا.. خطاب مختلف ولكن داخل المعادلة نفسها

وفي الوقت الذي استخدم فيه أردوغان لغة شديدة تجاه ما يحدث في غزة، حافظ في ملف الحرب الروسية الأوكرانية على الخط المعروف للسياسة التركية الداعي إلى إنهاء الحرب مع ضمان سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها.

كما اعتبر الهجمات الأخيرة على السفن التجارية في البحر الأسود غير مقبولة «بغض النظر عمن ينفذها».

وهنا تظهر واحدة من أهم سمات الخطاب.

تركيا لم تقدم نفسها باعتبارها دولة تتحدث في أزمة واحدة، وإنما حاولت تقديم موقعها كدولة تتقاطع جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا مع عدد كبير من الأزمات في الوقت نفسه.

فهي عضو في حلف الناتو، ولها علاقات مع روسيا وأوكرانيا، وتقع على البحر الأسود، ومنخرطة سياسيًا في سوريا، ولها حضور مؤثر في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه ترتبط ملفات أمنها بالطاقة والممرات البحرية وأوروبا.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يقول أردوغان أيضًا إن أوروبا لا يمكن أن تصبح أقوى أو أكثر أمنًا باستبعاد تركيا من بنيتها الأمنية.

هرمز والبحر الأسود.. عندما تدخل الممرات البحرية إلى السياسة

ومن البحر الأسود انتقل الخطاب إلى واحد من أخطر شرايين الطاقة والتجارة في العالم: مضيق هرمز.

أكد أردوغان ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في المضيق.

وقد تبدو هذه جملة قصيرة وسط خطاب طويل، لكنها تعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الأزمات العالمية.

فالحرب لم تعد فقط ما يحدث على الأرض.

السفن التجارية، وممرات النفط والغاز، والبحار والمضائق أصبحت جزءًا أساسيًا من حسابات الأمن الدولي.

ولهذا جمع أردوغان في خطاب واحد بين البحر الأسود ومضيق هرمز والصراعات البرية في الشرق الأوسط وأوروبا.

إنها، في النهاية، شبكة واحدة؛ أي اضطراب في أحد أجزائها يمكن أن ينتقل اقتصاديًا وأمنيًا إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات.

سوريا والسودان ولبنان.. ماذا عن الدول التي تنتظر الأمم المتحدة؟

اللافت أيضًا أن أردوغان لم يحصر حديثه في الصراعات التي تحتل العناوين الرئيسية في الإعلام الغربي.

تحدث عن السودان ولبنان وسوريا، وربط خيبة أمل الشعوب التي تنتظر تدخل المؤسسات الدولية بعجز النظام الحالي عن الاستجابة بالسرعة والفاعلية المطلوبتين.

وفي الملف السوري، تحدث عن اتجاه سوريا نحو أن تصبح دولة أكثر أمنًا واستقرارًا، مؤكدًا استمرار الدعم التركي للشعب السوري.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الرؤية التركية لكل ملف، فإن جمع هذه الأزمات في خطاب واحد أعطى الكلمة شكلًا مختلفًا: لم تكن قائمة مواقف تركية منفصلة، بقدر ما كانت محاولة لوضعها تحت عنوان واحد هو أزمة النظام الدولي.

خطاب تركي.. أم محاولة لمخاطبة ما هو أبعد من تركيا؟

هنا تحديدًا تكمن أهمية خطاب أردوغان.

الرئيس التركي لم يتحدث فقط عما تريده أنقرة من العالم.

لقد حاول مخاطبة قطاع أوسع من الدول التي ترى أن المؤسسات الدولية الحالية لا تعكس بصورة كافية التحولات التي شهدها ميزان القوى العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فالعالم الذي أنشأ الأمم المتحدة عام 1945 تغير جذريًا.

ظهرت قوى اقتصادية وسياسية جديدة، وزاد عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بصورة هائلة، وأصبحت آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية أكثر حضورًا في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

لكن البنية الأساسية لمجلس الأمن ظلت إلى حد بعيد مرتبطة بالتوازن الذي خرج من الحرب العالمية الثانية.

ومن هنا تأتي قوة الشعار سياسيًا: «العالم أكبر من خمسة».

ليس لأنه يقدم وحده حلًا لمشكلة معقدة مثل إصلاح الأمم المتحدة، ولكن لأنه يلخص في خمس كلمات سؤالًا مطروحًا منذ سنوات ، هل ما زالت بنية النظام الدولي تعكس العالم الذي يفترض أن تديره؟، ولكن.. هل يمكن تغيير النظام فعلًا؟

وهنا نصل إلى المفارقة الأكبر، فإن الدول الخمس التي ينتقد أردوغان امتيازاتها هي نفسها القوى التي يصعب إجراء تغيير جوهري في مجلس الأمن من دون موافقتها.

ورد موسكو على الطرح التركي يكشف جانبًا من هذه المعضلة؛ فالكرملين قال إنه يؤيد توسيع العضوية الدائمة، لكنه يرى أن العضوية الدائمة وحق الفيتو عنصران مهمان في بنية الأمم المتحدة.

بمعنى آخر، قد يوجد اتفاق على أن مجلس الأمن يحتاج إلى إصلاح، لكن الخلاف يبدأ فور الانتقال من كلمة «الإصلاح» إلى تفاصيله.

وهذه ربما تكون العقدة التي لم يقدم خطاب أردوغان حلًا جاهزًا لها، لكنه نجح في إعادة وضعها على الطاولة.

لماذا كان الخطاب جامعًا؟

لأن أردوغان لم يتعامل مع غزة وأوكرانيا والسودان وسوريا ولبنان وإيران والبحر الأسود وهرمز باعتبارها ملفات لا علاقة بينها.

لقد وضعها جميعًا أمام مرآة واحدة.. من يملك القرار الدولي؟، وهل تطبق القواعد على الجميع بالطريقة نفسها؟، وهل تستطيع المؤسسات التي أنشأها العالم بعد الحرب العالمية الثانية التعامل مع حروب وأزمات القرن الحادي والعشرين؟.. هذه الأسئلة، أكثر من أي تصريح منفرد، هي التي صنعت ثقل الخطاب.

ولهذا ربما لا تكون أهم رسالة خرج بها أردوغان من منصة الأمم المتحدة موقفًا تركيًا تجاه دولة بعينها، ولا حتى ملفًا محددًا من الملفات التي تحدث عنها.

الرسالة كانت أكبر.. العالم تغير، بينما قواعد إدارة العالم لم تتغير بالسرعة نفسها.

ومن غزة إلى أوكرانيا، ومن السودان إلى لبنان، ومن البحر الأسود إلى مضيق هرمز، حاول أردوغان أن يقدم أزمات مختلفة باعتبارها أدلة على المشكلة ذاتها.

ولهذا، عندما قال «العالم أكبر من خمسة»، لم تكن العبارة مجرد شعار في خطاب سياسي بل كانت العنوان الذي أراد أن يضع تحته خطابه كله.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً