ads
ads

غزة مشهد يُشعرنا جميعا بالخزي.. قراءة في خطاب ماكرون أمام الأمم المتحدة

ماكرون
ماكرون

من فلسطين ولبنان إلى أوكرانيا وهرمز.. الرئيس الفرنسي يحذر من عودة «قانون الغاب» ويضع مصداقية النظام الدولي أمام اختبار السيادة وحقوق الشعوب

في خطاب بدا أقرب إلى مراجعة لحالة النظام الدولي منه إلى مجرد استعراض لمواقف السياسة الخارجية الفرنسية، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، محذرًا من عالم تتراجع فيه القواعد أمام القوة، وتعود إليه النزعات الإمبراطورية وفرض الأمر الواقع وتغيير الحدود بالقوة.

لكن وسط الملفات الدولية المتعددة التي تناولها ماكرون، من أوكرانيا إلى أمن الطاقة ومضيق هرمز ولبنان وسوريا، احتلت القضية الفلسطينية المساحة الأكثر حدة سياسيًا وأخلاقيًا في كلمته، عندما ربط بين ما يحدث في غزة والضفة الغربية وبين مصداقية المجتمع الدولي نفسه.

غزة.. سؤال المصداقية قبل السياسة

الرسالة الأشد وضوحًا في خطاب ماكرون جاءت عندما تساءل عن قيمة مصداقية المجتمع الدولي إذا استمر عاجزًا أمام ما يحدث في غزة.

الرئيس الفرنسي رفض اعتبار الحديث عن السلام كافيًا في ظل استمرار القيود على وصول المساعدات الإنسانية، معتبرًا أن الواقع في القطاع يمثل مشهدًا ينبغي أن يشعر العالم بالخزي تجاهه.

وهنا انتقل الخطاب من الحديث التقليدي عن وقف الحرب إلى نقطة أعمق: هل يمكن للنظام الدولي أن يطالب باحترام قواعده في مكان، بينما يعجز عن فرضها في مكان آخر؟

وهذه الفكرة تحديدًا كانت أحد الخيوط الرئيسية التي ربط بها ماكرون أجزاء خطابه المختلفة ،فلا يمكن، وفق رؤيته التي طرحها أمام الجمعية العامة، الدفاع عن السيادة في أوكرانيا ثم التعامل معها باعتبارها مبدأ قابلًا للتجاهل في الشرق الأوسط.

الضفة الغربية.. ماكرون يذهب أبعد من غزة

ولم يتوقف الخطاب الفرنسي عند غزة.

ماكرون وجّه انتقادات واضحة لما يجري في الضفة الغربية، معتبرًا أن الانتهاكات اليومية تقوض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في الوجود، وربط احترام هذه الحقوق أيضًا بأمن إسرائيل على المدى البعيد.

ومن هنا جاءت واحدة من أهم رسائل خطابه ، أمن إسرائيل، من وجهة النظر التي عرضها ماكرون، لا يمكن أن يتحقق عبر انتهاك سيادة الدول والشعوب المحيطة بها.

بل حذر من أن الاعتقاد بأن أمن إسرائيل يتطلب انتهاك سيادة جيرانها يمثل «خطأً فادحًا» من شأنه، بحسب قوله، إضعاف أمن إسرائيل مستقبلًا بدلًا من تعزيزه.

فلسطين.. من الاعتراف السياسي إلى اختبار التنفيذ

قبل عام من هذا الخطاب، كانت فرنسا ضمن الدول التي دفعت بقوة نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما استحضره ماكرون بنفسه أمام الجمعية العامة.

لكنه اعترف ضمنيًا بأن الاعتراف وحده لا يكفي إذا لم يترجم إلى واقع سياسي.

وهنا بدت كلمة ماكرون وكأنها محاولة للإجابة عن الانتقاد الذي يقول إن الاعتراف بفلسطين ظل خطوة دبلوماسية أكثر منه تغييرًا على الأرض ، فالرئيس الفرنسي نقل النقاش من «هل نعترف بفلسطين؟» إلى «ماذا فعل العالم بعد الاعتراف؟».

وقبل انعقاد الجمعية العامة الحالية، كانت فرنسا وبريطانيا وكندا قد أعلنت إجراءات تستهدف حماية حل الدولتين، مع التأكيد على رفض التوسع الاستيطاني ودعم قيام إسرائيل وفلسطين آمنتين جنبًا إلى جنب.

لبنان.. السيادة أولًا ونزع سلاح حزب الله عبر الدولة

مبدأ السيادة الذي استخدمه ماكرون في القضية الفلسطينية امتد مباشرة إلى لبنان.

فقد شدد على أن لبنان كامل السيادة هو وحده القادر على نزع سلاح حزب الله واستعادة الأمن لجميع اللبنانيين وجيرانهم، في موقف يضع الدولة اللبنانية ومؤسساتها في مركز أي تسوية مستقبلية.

وفي الوقت نفسه، رفض الخطاب التعامل مع السيادة اللبنانية من زاوية سلاح حزب الله فقط، إذ تحدث أيضًا عن اللبنانيين النازحين والقرى المدمرة في الجنوب.

وبذلك حاول ماكرون صياغة معادلة تقوم على اتجاهين متوازيين ، لا سلاح يعلو على سلطة الدولة اللبنانية، ولا انتهاك خارجي لسيادة لبنان.

سوريا.. «الثورة يجب ألا تتحول إلى خيبة أمل»

المنطق نفسه امتد إلى سوريا.

ماكرون أكد دعم فرنسا لبناء سوريا حرة وقادرة على استعادة سيادتها ووحدتها بالكامل، محذرًا من تحول ما جرى في البلاد إلى خيبة أمل جديدة للسوريين.

وهكذا أصبحت كلمة «السيادة» تقريبًا المفتاح السياسي لفهم خطاب الرئيس الفرنسي: سيادة أوكرانيا، وسيادة لبنان، وحقوق الفلسطينيين في دولة وسيادة، ووحدة سوريا.

أوكرانيا.. حماية المدنيين والطاقة والغذاء

وفي الملف الأوكراني، جدد ماكرون دعم فرنسا لكييف، لكنه طرح خطوات محددة تتجاوز إعلان الدعم السياسي.

ودعا إلى وقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة والمنشآت المدنية، إلى جانب ترتيبات في البحر الأسود تسمح باستئناف حركة شحن الحبوب وتخفيف الضغوط على الأمن الغذائي، خصوصًا بالنسبة للدول النامية والاقتصادات الناشئة.

وهو ملف كان ماكرون قد ناقشه كذلك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش اجتماعات نيويورك.

هرمز.. الطاقة العالمية ليست ورقة ابتزاز

ولم تغب أزمة الطاقة عن الخطاب الفرنسي.

ماكرون شدد على ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيق هرمز، معتبرًا أن المرور الآمن للسفن ليس مجرد قضية إقليمية، وإنما مصلحة دولية ترتبط مباشرة بأسعار النفط والغاز واستقرار الاقتصاد العالمي.

وهي نقطة مهمة في قراءة الخطاب ، لأن ماكرون لم يتعامل مع حروب الشرق الأوسط باعتبارها أزمات سياسية منفصلة، وإنما ربط بينها وبين الطاقة والتجارة والأمن الغذائي ومصالح الدول البعيدة جغرافيًا عن ساحات القتال.

«قانون الغاب».. الرسالة الأكبر في خطاب ماكرون

وربما هنا يمكن قراءة جوهر كلمة الرئيس الفرنسي كاملة.

ماكرون تحدث عن عودة عالم تتركز فيه القوة في أيدي عدد محدود من الدول، وتستخدم فيه القوة لتغيير الحدود وفرض الإرادة، وحذر من التحول نحو ما وصفه بـ«قانون الغاب»ومن بناء نظام دولي يسمح بالإفلات من القواعد والمحاسبة.

لذلك لم تكن فلسطين في خطابه ملفًا منفصلًا عن أوكرانيا، ولم يكن لبنان منفصلًا عن سوريا، ولا هرمز بعيدًا عن الأمن الغذائي والطاقة.

الخيط الذي حاول ماكرون ربط كل هذه الملفات به كان سؤالًا واحدًا ، هل تظل السيادة والقانون الدولي قواعد تطبق على الجميع، أم يتحول العالم إلى نظام تحدد فيه القوة وحدها من يمتلك الحقوق ومن يفقدها؟

ومن هنا تحديدًا اكتسب حديثه عن غزة ثقله الأكبر.

لأن ماكرون لم يطرح غزة فقط باعتبارها أزمة إنسانية، وإنما قدمها باعتبارها اختبارًا لمصداقية النظام الدولي نفسه فإذا كانت الأمم المتحدة والدول الكبرى عاجزة عن تحويل الحديث عن السلام والحقوق الفلسطينية إلى حماية فعلية للمدنيين ووصول للمساعدات واحترام للسيادة، فإن المشكلة، وفق المنطق الذي حمله الخطاب، تصبح أكبر من غزة نفسها.

إنها أزمة في القواعد التي يفترض أن تحكم العالم.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
الأسعار تتراجع.. شعبة الخضروات والفاكهة لـ"أهل مصر": الطماطم نزلت لـ 18 جنيها مع زيادة المعروض