يشهد شمال إثيوبيا منزلقاً خطيراً مع عودة المواجهات المسلحة الواسعة في توقيت بالغ الحساسية، إثر اتساع رقعة القتال بين القوات الحكومية وتحالف مسلّح جديد يضم سبع مجموعات معارضة، ليضع المنطقة بأسرها أمام اختبار أمني غير مسبوق في ظل تداخل النزاعات الإقليمية المستمرة في السودان والصومال وجنوب السودان.
ويمثل هذا التصعيد العسكري أخطر تهديد لاتفاق بريتوريا للسلام الذي وُقّع في نوفمبر 2022 وأنهى عامين من الحرب المدمرة في إقليم تيغراي؛ حيث امتدت المواجهات الحالية من تيغراي لتشمل أقاليم عفر وأمهرا، مترافقة مع سيطرة قوات تيغراي على مطار ألولا أبا نغا في ميكيلي وتعليق رحلات الطيران الداخلي، إلى جانب معارك ضارية في مناطق مثل أبالا وشمال وولو أعلن الجيش الإثيوبي على إثرها عن تكبيد الخصوم خسائر بشرية كبيرة، وسط تحذيرات أممية وقارية متزايدة من انهيار الاستقرار.
ويكتسب المشهد الحالي تعقيداً لافتاً نتيجة التحولات الجذرية في خارطة التحالفات الداخلية؛ إذ أعلنت سبع مجموعات إثيوبية مسلحة في سبتمبر الماضي تشكيل تحالف موحد تحت اسم "قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، ويضم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وحركة "فانو" في أمهرا، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب فصائل من أقاليم عفر وبني شنقول-قمز والمنطقة الصومالية، وهو تجمع يضم أطرافاً كانت تتواجه عسكرياً في السابق، مما ينذر بطبيعة صراع أكثر تعقيداً وشمولاً.
وعلى الصعيد الإقليمي، ألظت الاتهامات المتبادلة أجواء التوتر؛ إذ اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، الجنرال برهانو جولا، كلاً من إريتريا ومصر والسودان بتقديم الدعم والإمداد العسكري للفصائل المتمردة، في اتهامات نفتها أسمرة بالمطلق، بينما تتزايد المخاوف من امتداد تداعيات القتال عبر الحدود في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مفرطة ونزوح جماعي غير مسبوق.
وتشير التقارير الدولية إلى أن نحو خمسة وأربعين مليون شخص في القارة الإفريقية يعانون من النزوح القسري، تستحوذ دول السودان والصومال وجنوب السودان وإثيوبيا على النسبة الأكبر منها، مما يهدد بحدوث موجة نزوح جديدة تفاقم الكارثة الإنسانية في تيغراي التي لم تتعافَ بعد من آثار الحرب السابقة، وسط دعوات ملحة من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لضبط النفس والعودة إلى مسار الحوار لمنع تحول إثيوبيا إلى بؤرة اشتعال كبرى تهدد استقرار القرن الإفريقي برمته.