شهد مطار الإمام الخميني الدولي في العاصمة الإيرانية طهران انكماشاً حاداً في حركة النقل الجوي، حيث فقد نحو أربعة من كل عشرة رحلات دولية في غضون أيام قليلة، نتيجة العقوبات الأمريكية الجديدة التي أجبرت مطارات وشركات خدمات جوية دولية على وقف تعاملاتها مع قطاع الطيران الإيراني.
وأظهر تحليل أجرته وكالة "فرانس برس" لبيانات منصة تتبع الرحلات "فلايت رادار 24" أن متوسط الرحلات الدولية اليومية، قادمة ومغادرة، تراجع بنسبة 42 بالمئة ليقبط من 91 إلى 53 رحلة فقط، وذلك منذ بدء تطبيق الحزمة الموسعة من العقوبات في الثالث والعشرين من سبتمبر. ورغم أن هذه الأرقام لا تعني توقفا كاملا وتاما لحركة الطيران، إلا أنها تعكس بوضوح السرعة القياسية التي تقلصت بها وجهات السفر المتاحة أمام المواطنين الإيرانيين، وزيادة اعتمادهم حصراً على عدد محدود من الدول التي لا تزال تستقبل طائراتهم.
آليات العقوبات وتداعياتها التشغيلية
وتستند العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في سبتمبر إلى استهداف 27 شركة طيران إيرانية، إلى جانب الشركات والجهات المرتبطة بتقديم الخدمات المساندة لها. ورغم افتقار واشنطن للصلاحية المباشرة في منع هبوط الطائرات الإيرانية بمطارات دول أخرى، إلا أنها هددت بفرض عقوبات قاسية تشمل استبعاد المطارات، وموردي الوقود، وشركات الحجز والدفع، وأي جهة تتعامل مع الناقلات الإيرانية من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي. وفي السياق ذاته، أكد وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، أن أي أطراف تواصل تعاملاتها مع شركات الطيران الإيرانية تخاطر بالاستبعاد التام من شبكة المعاملات المالية العالمية.
وتجعل هذه الإجراءات القاسية استمرار الرحلات أمراً بالغ الصعوبة حتى وإن ظلت الأجواء والمطارات مفتوحة رسمياً؛ نظراً لحاجة أي طائرة ماسة لخدمات الوقود، والصيانة، والمناولة الأرضية، فضلاً عن آليات بيع التذاكر وتحويل الأموال النقدية في كل محطة تصل إليها.
خريطة الوجهات: غياب محطات رئيسية وبقاء منافذ محدودة
وأوضحت بيانات التتبع أن الرحلات المنطلقة من المطار كانت تصل عادة إلى 18 دولة مختلفة خلال الأسبوع الذي سبَق بدء سريان العقوبات؛ غير أن خطوط الطيران نحو كل من جورجيا، وسلطنة عمان، وأذربيجان توقفت بالكامل. كما شهدت الرحلات المتبادلة بين العراق وطهران انقطاعاً مؤقتاً منذ الخامس والعشرين من سبتمبر، قبل أن تعلن وزارة النقل العراقية لاحقاً عن حصول الناقل الوطني على موافقة أمريكية لتسيير رحلات محددة بين مدينة النجف وإيران اعتباراً من شهر أكتوبر. ويأتي هذا التراجع المتسارع امتداداً لاضطرابات هيكلية أعمق عانى منها القطاع، لا سيما بعد إغلاق المجال الجوي إثر الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران في أواخر فبراير، والاقتصار على تشغيل الشركات المحلية وحدها بعد استئناف تدريجي للحركة.
وفي المقابل، أظهر تحليل البيانات صمود مسارات رئيسية معدودة؛ إذ حافظت الرحلات بين طهران والصين على معدل مستقر يبلغ نحو 8 رحلات يومياً دون انخفاض ملحوظ. أما الخط الجوي مع تركيا -الذي يُعد الأكثر ازدحاماً وحيوية للمطار- فقد تراجعت حركة الطيران عليه بنسبة محدودة لم تتجاوز 19 بالمئة، رغم رصد اضطرابات واسعة وشكاوى مسافرين، فضلاً عن توقف شركة "ماهان إير" عن تسيير أي رحلات باتجاه المطارات التركية منذ العشرين من سبتمبر، مقابل تعويض شركات إيرانية أخرى، مثل "كاسبيان إيرلاينز"، عبر زيادة عدد رحلاتها على المسار ذاته. واستمرت بنسب متفارقة رحلات محدودة نحو أرمينيا، وروسيا، وأفغانستان، وباكستان، وتايلاند، وطاجيكستان، وماليزيا، وفيتنام، وقطر.
عزلة غير مكتملة وخيارات مقيدة للمسافرين
وتؤكد مؤشرات خريطة الطيران أن العقوبات لم تفلح حتى الآن في شلل كامل للحركة وإبقاء الأسطول الإيراني داخل الأراضي الوطنية، لكنها نجحت في فرض قيود صارمة جعلت السفر رهناً بعدد شحيح من المنافذ الإقليمية والدولية المتاحة، تتقدمها تركيا والصين. ويترتب على هذا التقلص الحاد في الخيارات والوجهات زيادة ملحوظة في أوقات السفر وتكاليف التذاكر، فضلاً عن تفاقم صعوبات التخطيط المسبق في ظل بيئة تشغيلية بالغة التعقيد، مما ينذر بمزيد من الضغوط المعيشية والاقتصادية على قطاع النقل والأفراد في إيران.