شهدت العاصمة السعودية الرياض تصعيدًا أمنيًا خطيرًا، عقب الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي، عصر السبت، وأسفر عن مقتل 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، بينهم حالات حرجة، وفقًا لبيان الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، الصادر اليوم الأحد.
وأدى الهجوم إلى تعليق العمليات التشغيلية بالمطار مؤقتًا، لحين استكمال تقييم الأضرار والتأكد من سلامة المرافق، وسط اضطرابات واسعة في حركة الطيران وإلغاء عدد من الرحلات وتحويل مسارات أخرى، بالتزامن مع تحذيرات أصدرتها سفارات أجنبية لرعاياها من التوجه إلى المطار والمناطق المحيطة به.
ويأتي الهجوم في ظل تصاعد المواجهات بين جماعة أنصار الله الحوثية والقوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، فيما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن تدرس احتمال المشاركة في ضربات ضد الحوثيين، مؤكدًا عزمه التواصل مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
حصيلة هجوم مطار الملك خالد بالرياض
وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية أن الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي أسفر عن وفاة 12 شخصًا، بينهم أربعة مواطنين سعوديين، واثنان من الجنسية البنغلادشية، إضافة إلى سبعة مقيمين من جنسيات أمريكية ومصرية وأردنية وسورية وفلسطينية وسودانية.
وأضافت الهيئة أن الهجوم أسفر عن إصابة 309 أشخاص، بعضهم في حالات حرجة، مشيرة إلى أن المصابين يتلقون الرعاية الصحية اللازمة في المستشفيات، بينما يجري حصر الأضرار المادية التي لحقت بالمطار.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسافرين وشهود عيان سماع دوي انفجار قوي داخل المطار، أعقبه إخلاء أجزاء من المبنى. وقال أحد المسافرين إن جزءًا من السقف انهار بالقرب من بوابة المغادرة، بعدما شاهد جسمًا يعبر السماء، فيما أفاد مسافر آخر بأنه سمع انفجارًا قبل أن يشاهد عددًا من المصابين ملقين على الأرض.
وبحسب وكالة «فرانس برس»، نقلت مصادر طبية عددًا من المصابين إلى المستشفيات في الرياض، بعضهم في حالة حرجة، وسط استنفار طبي للتعامل مع تداعيات الهجوم.
ولم تحدد البيانات الرسمية، وفق المعلومات الواردة، طبيعة السلاح المستخدم أو الحجم النهائي للأضرار داخل مرافق المطار.
تعليق الرحلات وتحويل مسارات الطائرات
وعقب الهجوم، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية تعليق العمليات التشغيلية بمطار الملك خالد الدولي مؤقتًا، لحين الانتهاء من تقييم الأضرار والتأكد من سلامة المرافق بالتنسيق مع الجهات المختصة.
ودعت إدارة المطار المسافرين إلى التواصل مباشرة مع شركات الطيران والتحقق من حالة رحلاتهم قبل التوجه إليه، في ظل احتمالات الإلغاء والتأخير وتغيير مسارات الرحلات.
وفي السياق نفسه، أعلنت الخطوط الجوية الكويتية إلغاء رحلتين، إحداهما من الكويت إلى الرياض والأخرى في الاتجاه المعاكس، بسبب إغلاق المطار نتيجة الأوضاع الأمنية.
كما ألغت شركتا الاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية عددًا من الرحلات المجدولة بين مركزيهما والعاصمة السعودية، مع امتداد بعض الإلغاءات إلى يوم الاثنين، وفق التقارير الواردة.
وأظهرت بيانات منصات تتبع الرحلات الجوية، بحسب ما أوردته شبكة الجزيرة، اضطرابات كبيرة في حركة الطيران خلال الأيام التي أعقبت استهداف المطار، شملت رحلات ملغاة وأخرى متأخرة، إلى جانب تحويل مسارات طائرات إلى مطارات بديلة، من بينها مطار الملك فهد الدولي بالدمام.
من جانبها، دعت وزارة الخارجية السعودية المواطنين الذين تأثرت رحلاتهم أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم نتيجة توقف الرحلات أو تأخرها إلى التواصل مع البعثات الدبلوماسية السعودية في الدول الموجودة بها، للحصول على المساعدة والإرشادات اللازمة.
تحذيرات أمريكية وبريطانية من التوجه إلى المطار
وفي أعقاب الهجوم، دعت السفارة الأمريكية في الرياض مواطنيها إلى تجنب مطار الملك خالد الدولي والمناطق المحيطة به، محذرة من احتمال إلغاء الرحلات الجوية أو إغلاق المجال الجوي وحدوث اضطرابات في حركة السفر.
كما أصدرت السفارتان البريطانية والإسبانية تحذيرات لرعاياهما، فيما دعت السفارتان الكندية والألمانية مواطنيهما إلى الابتعاد عن المطار، على خلفية التقارير المتعلقة بالهجوم واستمرار النشاط العسكري.
وأفادت وكالة «فرانس برس»، نقلًا عن دبلوماسي غربي، بأن عددًا من السفارات الغربية قرر منع موظفيه من السفر عبر مطار الرياض خلال الأسبوع التالي، باعتبار ذلك إجراءً احترازيًا.
وفي تطور متصل، أعلنت السفارة الأمريكية في السعودية فرض اشتراطات إضافية على استخدام موظفي الحكومة الأمريكية لمطارات الرياض وجدة والدمام، بحيث يتطلب السفر عبرها الحصول على تصريح خاص.
وتعكس هذه التحذيرات حجم المخاوف الدولية بشأن سلامة حركة الطيران المدني في المملكة، في ظل تكرار الهجمات على المطارات السعودية خلال الأيام الأخيرة.
ترامب: الهجوم غير مقبول وسأتحدث مع محمد بن سلمان
وعلى الصعيد الأمريكي، وصف الرئيس دونالد ترامب الهجوم على مطار الرياض بأنه «مروع» و«غير مقبول»، معلنًا عزمه التحدث مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن التطورات الأخيرة.
وردا على سؤال بشأن احتمال انضمام الولايات المتحدة إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، قال ترامب إن واشنطن قد تقدم على هذه الخطوة، مضيفًا: «قد نفعل ذلك، سننظر في الأمر».
وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن إدارته علمت بالهجوم الأخير، وأنها ستتخذ قرارًا بشأنه، دون إعلان قرار نهائي بالمشاركة العسكرية.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مقتل مواطن أمريكي في الهجوم، مندّدًا بالاعتداءات التي قال إنها تعكس استخفافًا بحياة المدنيين الأبرياء.
وفي بريطانيا، وصف وزير الدولة لشؤون الدفاع ويس ستريتينج الهجوم بأنه تصعيد خطير، مؤكدًا أن لندن تقدم دعمًا للسعودية في مجال الدفاعات الجوية والتزود بالوقود جوًا.
وأوضح ستريتينج أن بلاده لا تبحث في المرحلة الحالية المشاركة في عمليات هجومية، مشددًا على ضرورة إنهاء الصراع، ومعتبرًا أن استمرار استهداف الأهداف المدنية أمر لا يمكن القبول به.
التحالف يعلن عمليات عسكرية ضد الحوثيين
في المقابل، أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن تنفيذ عمليات عسكرية واسعة تستهدف قدرات جماعة الحوثيين، بما يشمل شبكة الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق المستخدمة في الهجمات.
وأكد المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، تدمير ثلاث منصات لإطلاق الصواريخ، مشددًا على أن الاعتداءات التي تستهدف المدنيين والمنشآت المدنية ستواجه برد حازم.
كما أعلن التحالف تدمير 136 هدفًا عسكريًا في مناطق سيطرة الحوثيين، مع استمرار تقديم الإسناد الجوي للقوات الحكومية اليمنية، وفق ما ورد في البيانات المتعلقة بالعمليات العسكرية.
وفي تطور آخر، أعلن التحالف اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أُطلق باتجاه محافظة الخرج، كما أفاد بسقوط مقذوف في محيط مطار الملك فهد الدولي بالدمام، شرقي المملكة.
وتأتي هذه التحركات في سياق تصاعد العمليات العسكرية داخل اليمن، حيث تدعم السعودية القوات الحكومية في مواجهتها مع الحوثيين، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها على أمن المنطقة وحركة الملاحة الجوية والبحرية.
الحوثيون يجددون التحذير من استخدام الأجواء السعودية
من جانبهم، جدد الحوثيون تحذيراتهم لشركات الطيران والعاملين والمسافرين من استخدام المطارات والأجواء السعودية، معتبرين أنها معرضة للاستهداف، مع استثناء مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفق تصريحات المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع.
وكانت الجماعة قد أعلنت، عبر وسائل إعلامها، أن قرار حظر الملاحة الجوية السعودية لن يقتصر على مطار الرياض، بل قد يمتد إلى مطارات أخرى، في مقدمتها مطار جدة، إلى جانب منشآت اقتصادية.
وبررت الجماعة موقفها بأنه يأتي في إطار ما وصفته بمعادلة «المطار بالمطار والحصار بالحصار»، وربطت وقف عملياتها بوقف ما تصفه بالعدوان والحصار المفروضين على اليمن.
وفي المقابل، تواصل السعودية والتحالف بقيادتها العمليات العسكرية ضد الجماعة، وسط تبادل التصعيد والتهديدات، بما يثير مخاوف من امتداد المواجهات إلى مزيد من المنشآت المدنية ومرافق النقل.
إدانات عربية ودولية للهجوم
وأثار الهجوم على مطار الملك خالد الدولي موجة واسعة من الإدانات العربية والدولية، وسط مطالب بوقف استهداف المنشآت المدنية وضمان سلامة الطيران المدني.
وأدانت وزارة الخارجية الإماراتية الهجمات التي استهدفت المطار، مؤكدة أنها تمثل انتهاكًا لسيادة المملكة العربية السعودية وتهديدًا لأمنها واستقرارها، ومعلنة تضامن دولة الإمارات الكامل مع الرياض، مع تقديم التعازي لأسر الضحايا والتمنيات بالشفاء للمصابين، وفق بيان نقلته وكالة أنباء الإمارات «وام».
كما أعربت وزارة الخارجية البحرينية عن إدانتها للهجوم، مؤكدة تضامن المنامة مع السعودية ودعمها الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها.
ودعت البحرين مجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية المعنية بالطيران المدني إلى التحرك لوقف الهجمات وضمان سلامة الملاحة الجوية والبحرية.
وفي الأردن ومصر وفلسطين ولبنان وسلطنة عُمان، صدرت إدانات ومواقف تضامنية مع السعودية، أكدت رفض استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وضرورة احترام سيادة الدول والقانون الدولي.
وعلى المستوى الدولي، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم، مؤكدًا أن استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية يمثل انتهاكًا للقانون الدولي، وداعيًا إلى وقف هذه الهجمات فورًا.
كما أدانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الهجوم، محذرة من تداعيات التصعيد على استقرار المنطقة وخطوط النقل والطاقة. فيما اعتبر المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أن الهجمات على المنشآت المدنية السعودية تمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد الأمن الإقليمي ويعقّد جهود السلام في اليمن.
ودعا «غروندبرغ» جماعة أنصار الله إلى وقف الهجمات واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بحماية المدنيين والمنشآت المدنية.
التعليم عن بُعد في مدارس الرياض
وامتدت تداعيات التطورات الأمنية إلى قطاع التعليم؛ إذ انتقلت المدارس في العاصمة السعودية إلى نظام التعليم عن بُعد اعتبارًا من الأحد، وفق رسالة وُجهت إلى أولياء الأمور واطلعت عليها وكالة «فرانس برس».
وأوضحت الرسالة أن القرار يأتي تنفيذًا لتوجيهات وزارة التعليم، ويشمل استمرار الدراسة عن بُعد طوال الأسبوع، في خطوة تعكس الإجراءات الاحترازية المتخذة في أعقاب الهجوم والتطورات الأمنية المتلاحقة.
تصعيد يثير المخاوف بشأن أمن المنطقة
ويأتي استهداف مطار الملك خالد الدولي في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية تصعيدًا عسكريًا متزايدًا، بعد تحركات للقوات الحكومية المدعومة من التحالف ضد الحوثيين، ورد الجماعة بتهديدات باستهداف مزيد من المطارات والمنشآت السعودية.
ومع تعليق العمليات في مطار الرياض، وإلغاء رحلات جوية، وصدور تحذيرات دبلوماسية، تتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها على أمن المدنيين وحركة النقل الجوي في المنطقة.
وفي ظل دراسة واشنطن احتمال المشاركة في الضربات ضد الحوثيين، واستمرار العمليات العسكرية للتحالف، تبقى التطورات الميدانية والمواقف الدولية عاملين رئيسيين في تحديد مسار التصعيد خلال الفترة المقبلة.