تشهد مصر في الوقت الحالي ارتفاعًا ملموسًا في أسعار الكهرباء والوقود والغاز، بفعل التوترات العالمية في منطقة مضيق هرمز، التي أدت إلى موجة ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز على المستوى الدولي.
تأثير الحرب الإيرانية الأمريكية على الأسواق
ويشير محمد العطيفي المحلل الاقتصادي إلى أن العالم يعيش مرحلة حرب طاقة حادة، مؤكداً أن آثار هذه الأزمة بدأت تلقي بظلالها على الأسواق العالمية وعلى الأسعار والاستثمارات، مع تحرك أسعار النفط عالميًا لتصل إلى مستويات قياسية.
اليوم، يبلغ سعر خام برنت 111 دولارًا للبرميل، والخام الأمريكي 111 دولارًا أيضًا، مع توقعات بأن ترتفع الأسعار خلال الأيام المقبلة إلى 120 دولارًا للبرميل، وربما تصل إلى 150 دولارًا في السيناريو المتشائم، وحتى 200 دولار إذا استمر التصعيد في الأزمة.
ويشير أحمد أبو علي الخبير الاقتصادي إلى أن عدم توافر معلومات دقيقة عن مدة الصراع يشكل تحديًا كبيرًا أمام الحكومات في إدارة ملفاتها الاقتصادية، خاصة أن قطاع الطاقة يبقى أهم محرك للاقتصاد، مع تذبذب مستمر في الأسعار العالمية للنفط والطاقة.
أسعار الكهرباء
وفي مصر، بدأت الحكومة اتخاذ خطوات عملية للتعامل مع تأثيرات أزمة الطاقة على الأسعار المحلية، خصوصًا في قطاع الكهرباء، فقد أبقت على أسعار الشرائح المنخفضة للاستهلاك المنزلي دون تغيير، بينما رفعت أسعار الشرائح العليا بنسبة تتراوح بين 16% و28%، وارتفعت أسعار القطاع التجاري بين 20% و91%.
وتهدف هذه الزيادات إلى جمع ما بين 2 إلى 2.5 مليار جنيه خلال الربع الأخير من السنة المالية 2025-2026، في الوقت الذي تتحمل فيه مصر عجزًا سنويًا يقارب 500 مليار جنيه، نتيجة بيع الكهرباء بأسعار تقل عن التكلفة الفعلية، وهو ما يمثل نحو 10 مليارات دولار.
وتستهلك مصر نحو 20 مليار دولار سنويًا من المنتجات البترولية، يذهب 60% منها لتشغيل محطات الكهرباء، ما يجعل أسعار الكهرباء الحالية تقل بنحو 75% عن التكلفة الفعلية.
أسعار المواد البترولية
وفي قطاع الوقود والغاز، شهدت الأسعار زيادات تتراوح بين 14% و30%، ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى ضبط سوق الطاقة المحلي. فقد ارتفع سعر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا، والسولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر.
كما ارتفعت أسعار أسطوانات البوتاجاز لتصل إلى 275 جنيهًا للأسطوانة 12.5 كجم، و550 جنيهًا للأسطوانة 25 كجم، فيما شهد غاز تموين السيارات زيادة من 10 إلى 13 جنيهًا، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي للمنازل بحسب الشرائح لتتراوح بين 6 و12 جنيهًا للمتر.
ورافق هذه الزيادات تطبيق إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة، تشمل الغلق المبكر للمحال والمطاعم عند الساعة 9 مساء، وتطبيق العمل الجزئي عن بعد في بعض القطاعات، بهدف الحد من الضغط على الشبكة الكهربائية.
رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق
كما كان لقطاع النقل العام نصيب من آثار الأزمة، حيث أعلنت وزارة النقل رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق للرحلات القصيرة والمتوسطة. وارتفع سعر الشريحة الأولى (حتى 9 محطات) إلى 10 جنيهات بدلاً من 8، والشريحة الثانية (حتى 16 محطة) إلى 12 جنيهًا بدلاً من 10، بينما أبقت الوزارة على أسعار الرحلات الطويلة دون تغيير لتخفيف الأعباء عن مستخدمي المسافات الطويلة، مع تشجيع الاشتراكات المخفضة للطلاب وموظفي القطاعين العام والخاص، لتقليل تكلفة التنقل اليومي.
ارتفاع تكلفة إنتاج الأدوية
أما قطاع الأدوية، فقد تأثر بدوره بالمتغيرات العالمية، إذ توقع مسؤولو شعبة الأدوية بالغرف التجارية ارتفاع تكلفة الإنتاج بنسبة تصل إلى 30% خلال الأشهر المقبلة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، ما سيؤثر بدوره على أسعار البيع النهائية.
وتمتلك مصر مخزونًا استراتيجيًا من الأدوية يكفي السوق لمدة 6 أشهر، بالإضافة إلى مخزون من مواد التعبئة والتغليف والمستلزمات الإنتاجية يكفي 3-4 أشهر، مما يضمن تلبية احتياجات السوق لفترة تصل إلى 10 أشهر.
إغلاق المحلات العامة
وقرر مجلس الوزراء إغلاق المحلات العامة فى 9 مساءً طوال أيام الأسبوع، ودخل القرار حيز التنفيذ فى 28 من مارس الماضى، مع استثناء يومى الخميس والجمعة، حيث تمتد ساعات العمل حتى الـ 10 مساءً، وهما الموعدان الرسميان اللذان تم تطبيقهما خلال الأيام الماضية، وتزامنًا مع أعياد المواطنين المسيحيين خلال شهر أبريل الجارى، وافق مجلس الوزراء على تغيير موعد غلق المحلات العامة خلال أسبوع الأعياد، اعتبارًا من يوم الجمعة الموافق 10 أبريل 2026 حتى يوم الاثنين الموافق 13 أبريل 2026، وذلك فقًا للتوصية الصادرة من اللجنة المركزية لإدارة الأزمات، ليكون موعد الإغلاق خلال هذه الفترة فى الـ 11 مساءً بدلًا من الـ 9 مساءً. ليصبح موعد غلق المحلات العامة فى الـ 11 مساءً هو الموعد الرسمي الثالث الذى تعلنه الحكومة منذ تطبيق القرار.
تظهر هذه المعطيات أن أزمة مضيق هرمز ألقت بتأثيراتها مباشرة على مصر، حيث ارتفعت تكلفة الطاقة بشكل عام، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لضبط السوق وحماية الفئات الأقل استهلاكًا للطاقة، بينما وزعت الأعباء على القطاعات الأعلى استهلاكًا مثل الكهرباء والوقود والنقل والأدوية.
ومع استمرار متابعة الحكومة للأسواق ومنع أي استغلال للزيادة من قبل التجار، يبقى التحدي الأكبر هو مواجهة الضغوط التضخمية المستمرة التي يفرضها ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، في وقت تحاول فيه مصر المحافظة على استقرار الأسعار لأوسع شريحة ممكنة من المواطنين.