ads
ads

هل يواجه الاقتصاد المصري "فقاعة ائتمانية"؟

أداء الاقتصاد المصري
أداء الاقتصاد المصري
كتب : أهل مصر

شهد السوق المالي المصري على مدار السنوات الأخيرة تحولا دراماتيكيا مع القفزة الهائلة لقطاع التمويل الاستهلاكي والخدمات المالية غير المصرفية، وهذا القطاع، الذي صمم في الأساس لتعزيز الشمول المالي وتسهيل حصول المواطنين على السلع المعمرة، بات اليوم محورا لجدل اقتصادي وتشريعي محتدم.

وبينما يراه البعض شريانا حيويا لا غنى عنه لتحريك عجلة الركود وتلبية احتياجات ملايين المواطنين، تزايدت التحذيرات الصارمة من مؤسسات مصرفية ورقابية تخشى من أن يتحول هذا النمو المتسارع إلى 'فقاعة ائتمانية' تهدد استقرار النظام المالي، مدفوعة بممارسات تحصيل غير منضبطة وغياب التدقيق في الملاءة المالية للمقترضين.

تحذيرات من سيناريو الرهن العقاري

فجر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي 'CIB'، موجة من المخاوف داخل الأوساط المالية بعدما دق ناقوس الخطر بشأن التوسع السريع لشركات التمويل غير المصرفي، أو ما يطلق عليه عالميا 'بنوك الظل Shadow Banking'.

وأعرب عز العرب عن قلقه البالغ من آليات عمل بعض هذه الشركات، لاسيما فيما يتعلق بمدى التزامها بقواعد الاستعلام الائتماني عبر الشركة المصرية للاستعلام الائتماني 'آي سكور' 'I-Score'.

وحذر الخبير المصرفي البارز من أن بعض الجهات تمنح تمويلات دون التثبت الكافي من قدرة العميل على السداد أو تقييم حجم التزاماته القائمة، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم الديون المتعثرة. وشبه عز العرب الوضع الحالي بما حدث في أزمة الرهن العقاري العالمية عام 2008 بالولايات المتحدة، مشددا على أن الشرارة الصغيرة في قطاع التمويل غير المصرفي قد تهز الاقتصاد بأكمله، وهو ما دفع البنك المركزي المصري للتدخل وتوجيه البنوك بعدم تمويل محافظ شركات التمويل الاستهلاكي إلا بعد التأكد من تفعيل الاستعلام الائتماني لعملائها.

ما وراء أرقام التعثر.. "المستور" قد يكون أكبر

من جانبه، طرح الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، زاوية تحليلية مغايرة تتعلق بطريقة احتساب نسب التعثر.

وأوضح فؤاد أن نسبة التعثر المعلنة إجمالا في القطاع تبلغ حوالي 3% بموجب بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، لكن هذه النسبة تخفي وراءها تفاصيل تفيد بأن الشركات الصغيرة تواجه مخاطر أكبر، حيث تستحوذ إحدى الشركات الكبرى وحده على 27% من السوق بنسبة تعثر تبلغ 1.25% فقط، مما يعني أن نسب التعثر في باقي الشركات قد تصل إلى 4% وفق التقديرات الفنية.

ولفت فؤاد الانتباه إلى معضلة هيكلية تتمثل في أن طريقة حساب التعثر في شركات التمويل غير المصرفي تختلف جوهريا عن البنوك، فالأخيرة تحسب التعثر بناء على إجمالي قيمة القرض، بينما قد يكتفي القطاع غير المصرفي بحساب قيمة القسط المتأخر فقط، مما يعني أن نسبة الـ 3% قد تعبر في الواقع عن محفظة قروض مهددة بأحجام أكبر بكثير مما تبدو عليه.

البعد الاجتماعي.. "مينفعش المواطن يتحبس عشان خلاط

'

ولم يتوقف الجدل عند الشق المالي البحري، بل امتد ليتخذ أبعادا اجتماعية وإنسانية حرجة داخل أروقة البرلمان بغرفتيه 'النواب والشيوخ'.

وحذر الدكتور محمد فؤاد من خطورة نشوء 'نمط استهلاكي غير صحي' يقترض فيه المواطنون لشراء الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء، معقبا بعبارة أثارت تفاعلا واسعا: 'قطاع التمويل الاستهلاكي لازم يستمر وإحنا في ظهره، لكن في المقابل إحنا في ظهر المواطن، ومينفعش نسيب المواطن لحد ما يتحبس علشان خلاط'، مؤكدا على ضرورة منع تحول المستهلكين البسيطين إلى 'غارمين'.

وتقدمت النائبة الدكتورة ولاء هرماس، عضو مجلس الشيوخ، بطلب رسمي لإجراء دراسة قياس الأثر التشريعي لقانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020.

وكشفت النائبة عن تلقي مئات الشكاوى من المواطنين بشأن تجاوزات 'شركات التحصيل'، والتي تعتمد أساليب ضغط تتعارض مع القانون والدستور، مثل الاتصال بجهات عمل العملاء، والتهديد بالإساءة لسمعتهم الاجتماعية، فضلا عن مطالبة المواطنين بمبالغ تفوق أصل الدين بثلاثة أضعاف تحت مسمى 'غرامات ومصاريف إدارية' غير شفافة.

وتحرك البرلمان عبر النائب حسام الخشت بتقديم طلب إحاطة أحيل إلى اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب لضبط هذه الممارسات وحماية المستهلك.دفاع 'الرقابة المالية'.. صلابة المحافظ وتكامل المنظومةفي المقابل، دافعت الهيئة العامة للرقابة المالية بقوة عن استقرار القطاع وملاءته.

وأظهرت التقارير الإحصائية الرسمية الصادرة عن الهيئة بنهاية عام 2025 أن التمويلات الممنوحة من الجهات المالية غير المصرفية بلغت نحو 1.4 تريليون جنيه، لتستحوذ على 54% من إجمالي التمويلات المقدمة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد.

كما بلغت محفظة أنشطة التمويل غير المصرفي وحدها نحو 417 مليار جنيه موزعة على أكثر من 9.8 مليون عقد تمويلي.وأكد الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة، أن بقاء نسب التعثر دون مستوى الـ 3% يعكس نجاح الهيئة في تطبيق رقابة صارمة تضمن سلامة واستقرار السوق.

وأشار إلى أن الهيئة فرضت التزاما كاملا على جميع الشركات بتطبيق معايير 'بازل 3' بموجب القرار رقم 137 لسنة 2025، والذي ينظم كفاية رأس المال، الرافعة المالية، ونسب التركز الفردي والقطاعي، معتبرا أن مرحلة ما قبل منح التمويل تمثل خط الدفاع الأول لمنع تدفق الديون المعدومة.

من جانبه، أكد شريف سامي، رئيس الهيئة الأسبق، أن المنظومة المالية تعمل بشكل تكاملي وليس تصادميا، حيث تعتمد شركات التمويل غير المصرفي بالأساس على القروض البنكية لتمويل محافظها، بينما تؤسس البنوك أذرعا تابعة لها في مجالات التمويل الاستهلاكي والعقاري لتقديم خدمات مرنة وقريبة من المواطنين، مما يدعم في النهاية استدامة نمو الاقتصاد القومي.

وهذا المشهد المعقد على أن قطاع التمويل الاستهلاكي أداة حتمية للنمو الاقتصادي والشمول المالي، لكن بقاءه آمنا يتطلب الانتقال الفوري نحو مفهوم 'التمويل المسؤول'، وضبط آليات عمل شركات 'بنوك الظل'، وتشديد الرقابة على جهات التحصيل، وإلزام كافة الأطراف بحدود قصوى للاستدانة بناء على استعلام ائتماني دقيق، هي الضمانات الوحيدة لحماية كرامة المواطن واستقرار الأسواق، وتجنب تحول طفرة النمو الحالية إلى أزمة ديون مجتمعية لا تحمد عقباها.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً