ads
ads

«مرصد الذهب»: آسيا تنتزع قيادة سوق الذهب العالمي.. والصين تقود أكبر تحول في الطلب

أسعار الذهب في مصر
أسعار الذهب في مصر
كتب : مي طارق

كشف «مرصد الذهب» أن سوق الذهب العالمي يشهد تحولًا هيكليًا هو الأكبر منذ الأزمة المالية العالمية، مع انتقال مركز الثقل تدريجيًا من الأسواق الغربية إلى آسيا، مدفوعًا بقفزة تاريخية في الاستثمار بالسبائك والعملات الذهبية، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، مقابل تراجع الإقبال على المشغولات، وانخفاض تأثير التدفقات الاستثمارية الغربية مقارنة بالسنوات الماضية.

وأوضح المرصد، استنادًا إلى أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي وتحليلات شركة هيراوس بريشيوس ميتاليز Heraeus Precious Metals، أن إجمالي الطلب العالمي على الذهب، بما يشمل التداولات خارج البورصة «OTC»، بلغ 1231 طنًا خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة 2% على أساس سنوي، بينما قفزت القيمة السوقية للطلب إلى مستوى قياسي بلغ 193 مليار دولار، بارتفاع 74% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعة بالارتفاع القياسي في أسعار الذهب خلال بداية العام.

سوق الذهب العالمي

وأضاف أن اللافت في هذه الأرقام لا يتمثل فقط في نمو الطلب العالمي، وإنما في التغير الواضح في تركيبته، إذ ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية إلى 474 طنًا خلال الربع الأول، بزيادة 42% على أساس سنوي، ليسجل ثاني أعلى مستوى فصلي في تاريخ هذا القطاع، في حين تراجع الطلب على المشغولات الذهبية بنسبة 23% إلى نحو 300 طن، رغم ارتفاع قيمة الإنفاق على المجوهرات بنسبة 31% بفعل صعود الأسعار.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن هذه الأرقام تؤكد أن الذهب لم يعد يتحرك فقط وفق قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو قوة الدولار، بل أصبح الطلب المادي القادم من آسيا عنصرًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات السوق العالمية.

وأضاف أن المستثمر الآسيوي يختلف جذريًا عن نظيره الغربي؛ ففي الوقت الذي يتعامل فيه المستثمر الغربي مع الذهب كأصل مالي يرتبط بأسعار الفائدة والعائد على السندات، ينظر المستثمر الآسيوي إلى الذهب باعتباره مخزنًا طويل الأجل للقيمة، وأداة لحماية المدخرات من التضخم وتقلبات العملات والأزمات الجيوسياسية.

وأشار إلى أن جزءًا من هذا التحول يعود إلى تغير طبيعة المستثمر الغربي، الذي أصبح أكثر حساسية لتحركات الفائدة وعوائد السندات، في حين يعتمد الطلب الآسيوي بدرجة أكبر على الشراء الفعلي للذهب بغرض الادخار والحفاظ على الثروة، وهو ما يجعل هذا الطلب أكثر استقرارًا وأقل ارتباطًا بالتقلبات قصيرة الأجل.

وأوضح التقرير أن الصين كانت المحرك الأكبر لهذا التحول، بعدما سجل الطلب على السبائك والعملات الذهبية 207 أطنان خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة 67% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو أعلى مستوى ربع سنوي في تاريخ السوق الصينية، متجاوزًا الرقم القياسي السابق البالغ 155 طنًا والمسجل في الربع الثاني من عام 2013.

وأضاف أن هذه الأرقام تعكس تحول السوق الصينية من الاعتماد على شراء المشغولات إلى الاستثمار المباشر في الذهب المادي، في ظل تنامي الإقبال على أدوات الادخار المرتبطة بالمعدن النفيس.

ولم يقتصر النمو على الصين، إذ شهدت أسواق الهند واليابان وكوريا الجنوبية ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على الذهب الاستثماري، بينما واصلت الصناديق المدرجة في الأسواق الآسيوية جذب التدفقات، في الوقت الذي تعرضت فيه الصناديق الأمريكية لعمليات تخارج خلال شهر مارس، بما يعكس اختلافًا واضحًا في سلوك المستثمرين بين الشرق والغرب.

وتدعم بيانات التجارة الخارجية هذا الاتجاه، إذ ارتفعت واردات الصين من الذهب إلى 162.6 طنًا خلال مايو 2026، مقارنة مع 99.5 طنًا في مايو 2025، بزيادة سنوية بلغت 63%، فيما وصلت واردات الذهب غير النقدي خلال الفترة من يناير إلى مايو إلى 691.6 طنًا، بارتفاع 76% على أساس سنوي، مدفوعة بالطلب القوي على السبائك وبرامج الادخار في الذهب التي تسمح للمستثمرين بشراء المعدن على دفعات شهرية صغيرة.

وأوضح الدكتور وليد فاروق أن هذه البيانات تؤكد أن آسيا لم تعد مجرد أكبر منطقة استهلاك للذهب، بل أصبحت تقود أيضًا الاستثمار المادي في المعدن الأصفر، وهو ما يمنحها تأثيرًا متزايدًا في تحديد اتجاهات الأسعار العالمية.

وأضاف أن هذا التحول لا يرتبط بالمستثمرين الأفراد فقط، وإنما يمتد إلى البنوك المركزية، التي واصلت شراء الذهب رغم وصول الأسعار إلى مستويات تاريخية، حيث سجلت مشترياتها الصافية 244 طنًا خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة 3% على أساس سنوي، وهو مستوى يفوق متوسط المشتريات خلال السنوات الخمس الماضية.

وأشار إلى أن البنوك المركزية حافظت على مشتريات سنوية تجاوزت 1000 طن خلال الأعوام من 2022 إلى 2024، قبل أن تسجل 863 طنًا في عام 2025، بما يؤكد أن الذهب أصبح عنصرًا استراتيجيًا دائمًا في إدارة الاحتياطيات الدولية، وليس مجرد أداة تحوط مؤقتة.

ولفت إلى أن 45% من البنوك المركزية حول العالم تتوقع زيادة احتياطياتها من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، مقابل 1% فقط تتوقع خفضها، وهو ما يعكس استمرار الثقة في الذهب كأصل استراتيجي في ظل تزايد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.

وأكد مدير «مرصد الذهب» أن تراجع الطلب على المشغولات لا يعني ضعفًا في مكانة الذهب، بل يعكس تغيرًا في طبيعة الطلب العالمي، حيث يتجه المستثمرون بصورة متزايدة إلى السبائك والعملات باعتبارها أقل تكلفة من حيث المصنعية، وأسهل في التخزين وإعادة البيع، وأكثر ارتباطًا بالسعر الفوري للمعدن.

وأضاف أن هذا التحول بدأ ينعكس بوضوح على السوق المصرية، إذ أظهر أحدث استطلاع أجراه «مرصد الذهب» بمشاركة 521 تاجرًا أن 92.6% من التجار أكدوا أن الاتجاه الغالب للعملاء أصبح نحو شراء السبائك والجنيهات الذهبية بغرض الادخار والاستثمار، فيما استحوذت هذه المنتجات على نحو 88.9% من إجمالي المبيعات، مقابل 11.1% فقط للمشغولات الذهبية، بما يعكس انتقال جزء متزايد من الطلب المحلي من الذهب الاستهلاكي إلى الذهب الاستثماري.

وأوضح أن هذا التشابه بين السوق المصرية والأسواق الآسيوية يؤكد أن ارتفاع الأسعار وتزايد التقلبات الاقتصادية يدفعان المستهلكين إلى تفضيل المنتجات منخفضة المصنعية والأكثر ارتباطًا بسعر الذهب الخام، باعتبارها أدوات أكثر كفاءة في الادخار والحفاظ على القيمة.

واختتم الدكتور وليد فاروق تصريحاته مؤكدًا أن خريطة سوق الذهب العالمية دخلت مرحلة جديدة، لم يعد فيها المستثمر الغربي وحده صاحب الكلمة العليا، بل أصبحت آسيا والبنوك المركزية تمثلان القوة الأكثر تأثيرًا في الطلب الحقيقي على المعدن النفيس، وهو ما سيجعل قراءة اتجاهات الذهب خلال السنوات المقبلة تعتمد بصورة متزايدة على متابعة الأسواق الآسيوية إلى جانب قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، باعتبارهما العاملين الأكثر تأثيرًا في مستقبل الأسعار.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً