أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً أوضح خلاله كيفية تحويل الأنظمة الغذائية إلى منظومة اقتصادية ضخمة، حيث أشار التحليل إلى أن الأنظمة الغذائية لم تعُد مجرد وسيلة لتحسين الصحة أو لإنقاص الوزن، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية متنامية تُعرف 'بمنظومة الحياة الصحية' أو ما يطلق عليه 'اقتصاد العافية' فمع تزايد الوعي الصحي، وارتفاع معدلات السمنة والأمراض المزمنة، وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مؤثرة في تشكيل أنماط الحياة، نشأت صناعة عالمية ضخمة تقوم على تلبية الطلب المتزايد على الغذاء الصحي، واللياقة البدنية، وإدارة الوزن.
سوق الأغذية الصحية والمكملات بمصر
وقد أدى هذا التحول إلى نمو أسواق جديدة تشمل الأغذية العضوية، والأغذية منخفضة السعرات الحرارية، والمنتجات النباتية، والمكملات الغذائية، وبرامج إنقاص الوزن، والتطبيقات الرقمية المتخصصة في متابعة التغذية والصحة. وأصبحت الشركات العالمية تتنافس على تطوير منتجات غذائية تُلبي احتياجات المستهلكين المهتمين بالصحة والعافية، كما برزت استثمارات ضخمة في مجالات التكنولوجيا الغذائية، والزراعة الذكية، وإنتاج البروتينات البديلة؛ مما أدى إلى خلق فرص اقتصادية واستثمارية جديدة.
وأكد مركز المعلومات أن تأثير 'منظومة الحياة الصحية أو اقتصاد العافية' لا يقتصر على قطاع الصناعات الغذائية فقط، بل يمتد إلى قطاعات أخرى عديدة، مثل: الرعاية الصحية، والتأمين، والرياضة، واللياقة البدنية، والتجارة الإلكترونية، والإعلان، والتسويق الرقمي. وقد أسهم هذا الترابط في تكوين منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بشكل مباشر بتغير سلوك المستهلكين وتفضيلاتهم الغذائية، مضيفاً أن هذه المنظومة تُعَد إحدى أبرز القوى الدافعة للاقتصاد العالمي الحديث؛ إذ تجاوز في حجمه قطاعات كبرى، مثل: الاقتصاد الأخضر، وتكنولوجيا المعلومات، والرياضة.
تضاعف اقتصاد منظومة الحياة الصحية
وقد أظهر تقرير رصد اقتصاد الصحة العالمي لعام 2025، الصادر عن معهد العافية العالمي، أن هذا الاقتصاد قد تضاعف منذ عام 2013 ليصل إلى نحو 6.8 تريليونات دولار في عام 2024، مع توقعات باستمرار نموه بمعدل سنوي يبلغ 7.6% خلال السنوات الخمس المقبلة، ليصل إلى ما يقارب 9.8 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2029، وهو معدل يفوق بكثير معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي المتوقع.
ويضم 'اقتصاد العافية' 11 قطاعًا رئيسًا تمكِّن المستهلكين من دمج أنماط الحياة الصحية في حياتهم اليومية، ويُعَد قطاع الأكل الصحي والتغذية وفقدان الوزن من أكبر هذه القطاعات وأكثرها تأثيرًا؛ حيث بلغت قيمته نحو 1.1 تريليون دولار في عام 2024، ما يعكس المكانة المحورية للتغذية داخل هذا الاقتصاد المتنامي.
أوضح التحليل أن قطاع التغذية لم يعُد مجرد عنصر داعم للصحة الفردية، بل أصبح أحد أهم محركات اقتصاد العافية وأكثرها قدرة على توليد القيمة الاقتصادية؛ بفضل ارتباطها المباشر بسلوك المستهلك اليومي، وتنامي الطلب على المنتجات الغذائية الصحية والوظيفية. ومع استمرار هذا الاتجاه، يُتوقع أن يظل قطاع التغذية في صدارة مكونات اقتصاد العافية خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالابتكار، والتحول الرقمي، وتزايد الوعي الصحي عالميًّا.
وقد أدت التحولات التي شهدتها العقود الأخيرة، بما في ذلك التغيرات في أنماط إنتاج الغذاء، وتطور النظم الغذائية، والتوسع الحضري المتسارع، وتبدل أنماط الحياة، إلى تغيُّر واضح في السلوك الغذائي للأفراد؛ حيث زاد الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة والغنية بالدهون غير الصحية والسكريات المضافة والملح.
وأشار التحليل إلى أبرز مؤشرات نمو سوق الأغذية الصحية عالميًّا؛ إذ قُدِّر حجم السوق بنحو تريليون دولار في عام 2025، مع توقعات بتضاعفه ليصل إلى نحو 2 تريليون دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.1% خلال الفترة (2026 - 2033). ويُعَد ارتفاع وعي المستهلكين بالصحة والتغذية أحد أبرز المحركات الرئيسة لهذا النمو. وقد استحوذ قطاع الأغذية والمشروبات الوظيفية على الحصة الكبرى من إيرادات السوق، بنسبة بلغت 52.01% في عام 2025، بما يؤكد تنامي الطلب على المنتجات الغذائية التي تجمع بين القيمة الغذائية والفوائد الصحية الإضافية؛ وذلك وفقًا لتقديرات شركة أبحاث السوق Grand View Research.
أشار التحليل إلى أن تأثير التوجه المتزايد نحو الأغذية الصحية لم يقتصر على تغيير أنماط الاستهلاك فحسب، بل امتد ليُحدث تحولات واسعة في قطاعات الإنتاج والاستثمار والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالغذاء. وهو على النحو التالي:
- تحفيز الاستثمارات في الصناعات الغذائية المُتخصصة: لم يعُد تأثير الغذاء على سلامة الجهاز الهضمي والصحة العامة، وشفافية المكونات الغذائية، مجرد اعتبارات ثانوية أو تفضيلات هامشية لدى المستهلكين، بل أصبحت من العوامل الرئيسة المؤثرة في قرارات الشراء وتوجهات السوق. وقد دفع هذا التحول شركات الأغذية، والعلامات التجارية، والمطاعم، وتجار التجزئة إلى إعادة تقييم منتجاتهم واستراتيجياتهم التسويقية بما يتوافق مع أولويات المستهلكين المتغيرة.
الابتكار في صناعة الأغذية الصحية
وفي هذا السياق، برزت سلامة الجهاز الهضمي والصحة العامة كأحد أبرز محركات الابتكار في صناعة الأغذية الصحية. فوفقًا لاستطلاع أجرته منصة (Tastewise)، وشمل أكثر من 550 ألف مشارك، أفاد أكثر من 36% من المستهلكين أنهم أكثر ميلًا إلى تجربة المنتجات الغذائية التي تحمل مؤشرات تفيد أنها غنية بالبريبايوتكس والألياف الداعمة لسلامة الجهاز الهضمي والصحة العامة.
ولم يقتصر تأثير هذا التوجه على تطوير المنتجات الغذائية فحسب، بل امتد إلى تنشيط أسواق مرتبطة بالصحة الوقائية، وفي مقدمتها قطاع المكملات الغذائية، الذي يُعدّ من أكثر القطاعات الاستثمارية نموًّا في اقتصاد العافية؛ حيث قُدِّر حجم سوق المكملات الغذائية العالمي بنحو 209.52 مليارات دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 431.69 مليار دولار بحلول عام 2033، مسجلًا نموًّا سنويًّا مركبًا قدره 9.5% خلال الفترة من 2026 إلى 2033. ويُعزى هذا النمو إلى ازدياد الوعي الصحي، وتطوّر أنماط حياة المستهلكين، والتركيز المتزايد على الرعاية الصحية الوقائية، وذلك وفقًا لتقديرات شركة أبحاث السوق Grand View Research.
- الزراعة تتغير وفقًا للحمية العالمية: حيث أشار التحليل إلى أن التحولات العالمية نحو الأنظمة الغذائية الصحية أصبحت أكثر من مجرد تغيير في سلوك المستهلك؛ إذ امتدت آثارها بشكل مباشر إلى إعادة تشكيل الأنشطة الزراعية وسلاسل الإنتاج الغذائي حول العالم. فقد أدّى تزايد الإقبال على الأنظمة الغذائية النباتية إلى ارتفاع الطلب على محاصيل، مثل: فول الصويا، والشوفان، واللوز، والبقوليات، في مقابل تباطؤ نسبي في نمو بعض أسواق اللحوم الحمراء في عدد من الدول المتقدمة؛ بما يعكس تحوُّلًا تدريجيًّا في مصادر البروتين وأنماط الاستهلاك الغذائي.
وفي السياق ذاته، أسهم الاهتمام المتزايد بالأغذية العضوية في توسّع قطاع الزراعة العضوية عالميًّا؛ حيث تُمارَس الزراعة العضوية في نحو 190 دولة، وتُدار نحو 99 مليون هكتار من الأراضي الزراعية وفقًا لمبادئها، من قبل ما لا يقل عن 4.3 ملايين مزارع. كما تجاوزت المبيعات العالمية للأغذية والمشروبات العضوية 136 مليار يورو في عام 2023، ما يعكس تنامي الطلب على المنتجات الطبيعية وارتفاع قيمتها السوقية.
كما بدأت هذه التحولات بالفعل في الظهور داخل الأسواق الاستهلاكية؛ حيث أصبحت بدائل اللحوم النباتية متوافرة في العديد من سلاسل مطاعم الوجبات السريعة حول العالم. ومن المتوقع أن يشهد هذا القطاع نموًّا كبيرًا؛ إذ يُقدَّر أن يرتفع حجم سوق البروتينات البديلة من نحو 13 مليون طن متري في عام 2021 إلى نحو 97 مليون طن متري بحلول عام 2035، ليصل إلى قيمة سوقية لا تقل عن 290 مليار دولار أمريكي. ويمكن للابتكار التكنولوجي المتسارع والدعم التنظيمي الكامل أن يُسرِّعا هذا النمو.
القطاعات الصحية الأسرع نموًّا
- التجميل الطبي في صدارة القطاعات الصحية الأسرع نموًّا: فمع تزايد اهتمام الأفراد بالصحة واللياقة والمظهر الخارجي، أصبح المستهلك ينظر إلى التغذية السليمة، وممارسة النشاط البدني، والإجراءات التجميلية، باعتبارها عناصر متكاملة ضمن رحلة تحسين جودة الحياة. وقد انعكس هذا التحول على نمو سوق الطب التجميلي عالميًّا، التي تشهد توسعًا متسارعًا مدفوعًا بالتطورات التكنولوجية في الإجراءات غير الجراحية، وارتفاع الوعي بالصحة الشخصية، والتأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي. وأسهمت تقنيات مثل: الحقن التجميلية، وأجهزة الليزر، ونحت القوام غير الجراحي، في توسيع قاعدة المستفيدين من هذه الخدمات؛ بفضل تقليل فترات التعافي وتحسين مستويات الأمان والنتائج.
وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق الطب التجميلي العالمية قد يرتفع من نحو 98.8 مليار دولار في عام 2025 إلى نحو 240 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 11.9%، بما يعكس تحوّل هذه السوق من سوق خدمات تجميلية اختيارية إلى أحد المكونات الرئيسة لاقتصاد العافية العالمي.
وفي هذا السياق، أظهرت نتائج الاستطلاع العالمي للجمعية الدولية لجراحة التجميل International Society of Aesthetic Plastic Surgery لعام 2025 إجراء نحو 38 مليون إجراء تجميلي حول العالم خلال عام 2024، منها 17.4 مليون عملية جراحية و20.5 مليون إجراء غير جراحي، بزيادة تراكمية بلغت 42.5% مقارنة بعام 2020.
- اقتصاد الصحة الرقمية: أسهمت الحميات الغذائية والتحوُّل العالمي نحو أنماط الحياة الصحية في نشوء قطاع رقمي متكامل يقوم على توظيف التكنولوجيا في مجالات التغذية والصحة، ليُشكِّل ما يمكن اعتباره اقتصاد الصحة الرقمية. فقد أسهم هذا التحوُّل في انتشار تطبيقات ذكية متخصصة في حساب السعرات الحرارية، ومتابعة الوزن، وتحليل جودة النوم والنشاط البدني، إلى جانب منصات الاشتراكات الغذائية وخدمات التوصيات الشخصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ بما يعزِّز قدرة الأفراد على إدارة صحتهم بشكل أكثر دقة وفاعلية.
وقد انعكس هذا النمو المتسارع على حجم السوق العالمية؛ حيث بلغت قيمة سوق تطبيقات الحمية والتغذية العالمية 2.14 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 4.56 مليارات دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 13.4% خلال الفترة من 2025 إلى 2030، وفقًا لتقديرات شركة أبحاث السوق Grand View Research.
وأشار التحليل إلى أن قطاع التغذية وإدارة الوزن في مصر يشهد نموًّا متسارعًا، حيث أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بتحولات أنماط الاستهلاك وتزايد الوعي الصحي. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن سوق النيوتراسيوتيك (الأغذية الوظيفية والمكملات الغذائية) في مصر بلغت نحو 1.26 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بوصولها إلى 2.44 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 7.7%، مدفوعًا بزيادة الطلب على التغذية الوقائية ومنتجات دعم المناعة وإدارة الوزن.
كما تعكس سوق المكملات الغذائية جانبًا مهمًّا من هذا الاقتصاد؛ إذ قُدِّرت قيمتها بنحو 326 مليون دولار في عام 2024، مع توقع نموّها بمعدل يقارب 9.2% حتى عام 2030، مدفوعةً بالتحولات الديموجرافية، وارتفاع نسبة الشباب، وزيادة الاهتمام باللياقة البدنية والتحكم في الوزن. ويُعدّ هذا القطاع جزءًا متناميًا من البنية الاقتصادية المرتبطة بالصحة؛ إذ يشهد توسعًا في عدد الشركات والمنتجات؛ ما يعزّز دوره بوصفه محرّكًا للاستثمار والتشغيل.
لفت التحليل إلى التوسع الملحوظ الذي تشهده مصر خلال السنوات الأخيرة في إطلاق المبادرات الوطنية الهادفة إلى تعزيز الصحة العامة ومكافحة الأمراض غير السارية، وفي مقدمتها السمنة وسوء التغذية، باعتبارها أحد أبرز التحديات الصحية والاقتصادية التي تؤثر في الإنتاجية وجودة الحياة. وتندرج هذه الجهود ضمن توجه استراتيجي للدولة نحو تعزيز مفهوم الوقاية بدلًا من العلاج، وتوسيع نطاق الرعاية الصحية الشاملة.
مبادرة 100 مليون صحة
ومن أبرز هذه الجهود المبادرات الرئاسية للصحة العامة، التي تمثل مظلة متكاملة لعدد من البرامج القومية، مثل مبادرة «100 مليون صحة» التي استهدفت الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة كالسمنة، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، إلى جانب مبادرات متخصصة مثل الكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم بين تلاميذ المدارس، والتي تهدف إلى بناء جيل صحي قادر على النمو والإنتاج من خلال التدخل المبكر في المراحل العمرية الحرجة. كما أطلقت الدولة حملات توعوية موسعة بالشراكة مع UNICEF لتعزيز أنماط التغذية الصحية والحد من السلوكيات الغذائية الضارة، مع التركيز على الأطفال والنساء باعتبارهم الفئات الأكثر تأثرًا بالتغذية غير السليمة.
كما تعكس هذه المبادرات إدراكًا متزايدًا لخطورة السمنة باعتبارها أحد أهم مسببات الأمراض غير السارية؛ بما يفرض أعباءً متزايدة على النظام الصحي والاقتصاد القومي. كما تسهم برامج التوعية والفحص المبكر في تحسين معدلات الاكتشاف والتدخل العلاجي، إلى جانب تعزيز ثقافة نمط الحياة الصحي داخل المجتمع.
ومن الناحية الاقتصادية، تمثل هذه المبادرات استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري؛ إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن خفض معدلات السمنة وتحسين الحالة الصحية المرتبطة بالغذاء يمكن أن يؤديا إلى رفع الإنتاجية وتقليل تكاليف الرعاية الصحية بشكل كبير. وبالتالي، يمكن اعتبار اقتصاد التغذية وإدارة الوزن في مصر أحد القطاعات الاستراتيجية الناشئة، التي تجمع بين البُعد الصحي والاقتصادي والاستثماري، وتعكس في الوقت ذاته التحول نحو اقتصاد أكثر ارتباطًا بالوقاية وجودة الحياة بدلًا من العلاج فقط.