استمر ارتفاع أسعار الذهب في السوق المحلية والبورصات العالمية خلال تعاملات اليوم الجمعة، مدعومة بصدور بيانات وظائف أمريكية جاءت أضعف من توقعات الأسواق، ما عزز رهانات المستثمرين على اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها دون تغيير خلال الاجتماعات المقبلة، بالتزامن مع تراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما دفع المستثمرين إلى زيادة الإقبال على الذهب باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة، لتتجه الأوقية نحو إنهاء الأسبوع على أقوى مكاسب أسبوعية منذ بداية العام.
وارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 130 جنيهًا مقارنة بإغلاق تعاملات أمس، ليسجل نحو 6100 جنيه، بالتزامن مع صعود الأوقية عالميًا بنحو 118 دولارًا لتسجل نحو 4368 دولارًا .
وسجل سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 6971 جنيهًا، وعيار 18 نحو 5229 جنيهًا، فيما سجل الجنيه الذهب نحو 48800 جنيه.
وشهدت السوق المحلية زيادة بنحو 30 جنيهًا خلال تعاملات أمس الخميس، إذ افتتح جرام الذهب عيار 21 عند 5940 جنيهًا، قبل أن يختتم التعاملات عند 5970 جنيهًا، بالتزامن مع ارتفاع محدود في سعر الأوقية العالمية من 4248 دولارًا إلى 4250 دولارًا.
وأدى تراجع سعر صرف الدولار أمام الجنيه إلى الحدّ من انتقال كامل المكاسب العالمية إلى السوق المحلية، بعدما هبط الدولار إلى أقل من مستوى 50 جنيهًا في غالبية البنوك العاملة بالسوق، في حين سجل نحو 49.82 جنيهًا لدى البنك المركزي المصري.
وتتداول السوق المحلية حاليًا بخصم سعري بدلًا من العلاوة السعرية، لتبلغ الفجوة نحو 15 جنيهًا للجرام مقارنة بالسعر العالمي. حيث يحتسب هذا الخصم من خلال مقارنة السعر المحلي الفعلي لجرام الذهب عيار 21 بالسعر الاسترشادي الناتج عن تحويل سعر الأوقية العالمية إلى الجنيه وفق سعر الصرف، وهو ما يعكس عدم انتقال كامل المكاسب العالمية إلى السوق المحلية.
ويعكس استمرار الخصم السعري أيضًا حالة من الهدوء النسبي في الطلب المحلي، الأمر الذي حدّ من تأثير القفزة العالمية على أسعار الذهب داخل السوق المصرية.
وتأتي موجة الصعود الحالية مدفوعة في المقام الأول بإعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأمريكية، بعدما عززت البيانات الاقتصادية الأخيرة اعتقاد المستثمرين بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى تبني سياسة نقدية أقل تشددًا خلال الفترة المقبلة.
وساهمت هذه التوقعات في انخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتراجع الدولار، ما زاد من جاذبية الذهب بالنسبة للمستثمرين، خاصة أنه لا يدر عائدًا ويستفيد عادة من انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية.
كما تلقى المعدن النفيس دعمًا إضافيًا من تراجع أسعار النفط، إذ ساهم انخفاض أسعار الطاقة في تهدئة توقعات التضخم، ما عزز الرهانات على تبني الاحتياطي الفيدرالي سياسة نقدية أقل تشددًا، وهو ما انعكس إيجابًا على الذهب.
وجاءت بيانات سوق العمل الأمريكية لتمنح الذهب دفعة قوية، بعدما أظهر تقرير الوظائف غير الزراعية تراجعًا بنحو 23 ألف وظيفة خلال يوليو، مقارنة بتوقعات الأسواق بإضافة نحو 80 ألف وظيفة، كما جرى خفض بيانات يونيو إلى 20 ألف وظيفة بدلًا من 57 ألفًا، مع مراجعة هبوطية لبيانات مايو، ليصبح إجمالي الوظائف خلال الشهرين أقل بنحو 103 آلاف وظيفة مقارنة بالتقديرات السابقة.
ورغم تراجع معدل البطالة إلى 4.1% مقابل 4.2% في يونيو، فإن الأسواق ركزت على ضعف نمو الوظائف وتباطؤ نمو الأجور السنوي إلى 3.2% مقارنة مع 3.4% في الشهر السابق، باعتبارها مؤشرات تعكس تباطؤًا تدريجيًا في سوق العمل الأمريكي.
ودفعت هذه البيانات المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على تبني مجلس الاحتياطي الفيدرالي سياسة نقدية أقل تشددًا خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسواق، حيث تراجع مؤشر الدولار إلى نحو 99.45 نقطة، كما انخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.60%، ما عزز الطلب على الذهب ودفع الأوقية إلى أعلى مستوياتها منذ 17 يونيو، لتوسع مكاسبها الأسبوعية إلى أكثر من 8%، في أقوى أداء أسبوعي منذ بداية العام.
كما أن الأسواق خفضت توقعاتها لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر، إذ تراجعت الاحتمالات إلى نحو 42% مقارنة بحوالي 67% قبل أسبوع، وهو ما وفر دعمًا إضافيًا للمعدن النفيس.
ولا تزال تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تعكس قدرًا كبيرًا من الحذر، إذ يؤكد صناع السياسة النقدية أن القرارات المقبلة ستظل مرتبطة بتطورات التضخم وسوق العمل، دون الالتزام بمسار محدد لأسعار الفائدة.
ويمنح هذا النهج الأسواق مساحة واسعة لإعادة تقييم توقعاتها مع كل مجموعة جديدة من البيانات الاقتصادية، وهو ما يفسر الارتفاع الملحوظ في وتيرة تقلبات الذهب خلال الأسابيع الأخيرة.
المؤسسات الدولية تحافظ على نظرتها الإيجابية
ومازالت غالبية المؤسسات المالية العالمية تتبنى رؤية إيجابية تجاه الذهب على المدى المتوسط والطويل، مدعومة باستمرار الطلب الاستثماري، وارتفاع مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
وفي أحدث توقعاتها، رفعت مجموعة UBS مستهدفها لسعر الذهب، متوقعة وصول الأوقية إلى 5000 دولار خلال النصف الأول من عام 2027، استنادًا إلى استمرار الطلب على الملاذات الآمنة وتنامي إقبال البنوك المركزية على زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس.
وتواصل البنوك المركزية حول العالم تعزيز احتياطياتها من الذهب ضمن استراتيجية تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار، وهو ما يمثل أحد أهم عوامل الدعم الهيكلي للأسعار، ويحد من احتمالات حدوث تراجعات حادة على المدى الطويل.