ads
ads

اختبار الطاقة الأقسى في 2026.. هل تدفع أزمة الملاحة العالمية نحو إعادة رسم خريطة التجارة الدولية؟ (تقرير)

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية
كتب : مي طارق

تواجه حركة التجارة الدولية اختبارًا صعبًا خلال عام 2026، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطراب الممرات البحرية الحيوية وارتفاع المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة، وهي تطورات تعيد تشكيل حسابات شركات الشحن والحكومات والمستثمرين، وتدفع الدول إلى البحث عن مسارات بديلة لنقل البضائع والنفط والغاز، وسط مخاوف من زيادة تكاليف التجارة وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.

أزمة الملاحة العالمية

وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود ارتفاع أسعار النفط والشحن، لتشمل سلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات والضغوط التضخمية، فضلًا عن إعادة تقييم الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية ومراكز الخدمات اللوجستية، وفي مقدمتها قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، في ظل سعي الاقتصادات إلى تعزيز أمن الطاقة وتنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على المسارات المعرضة للمخاطر.

ووفقًا لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، تواجه التجارة العالمية للسلع تباطؤًا في النمو خلال عام 2026، مع توقعات بتراجع معدل نموها إلى نطاق يتراوح بين 1.5% و2.5%، مقارنة بنحو 4.7% خلال عام 2025، في ظل الضغوط الجيوسياسية واضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع مستويات عدم اليقين.

اضطرابات الممرات البحرية تعيد حسابات التجارة العالمية

وفي هذا السياق، قال محمد محمود، الخبير الاقتصادي، إن تصاعد التوترات الجيوسياسية وتلاحق الأزمات التجارية العالمية يفرضان تحديات متزايدة على حركة التجارة الدولية، في ظل حالة عدم اليقين التي تشهدها السياسات الخارجية الأمريكية، وما تتركه من تداعيات على الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية.

وأضاف محمود في تصريحات خاصة لـ « أهل مصر»، أن اضطرابات الممرات البحرية تمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في تكاليف التجارة الدولية، مشيرًا إلى أن أي تعطل لحركة الملاحة في قناة السويس أو مضيق باب المندب يدفع شركات الشحن إلى البحث عن مسارات بديلة، مثل طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يؤدي إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين والتشغيل.

وأوضح الخبير الاقتصادي، أن حجم الزيادة في التكلفة يختلف وفقًا لخطوط الشحن والوجهات، لافتًا إلى أن التحول إلى مسارات أطول يرفع الأعباء التشغيلية، التي تنعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات المقدمة للمستهلك النهائي.

وأكد محمد محمود، أن هذه التطورات تعكس حساسية التجارة العالمية تجاه سلامة الممرات البحرية، إذ لا تقتصر آثار تغيير المسارات على زيادة المسافات التي تقطعها السفن، بل تمتد إلى إطالة دورات الشحن وتأخر وصول البضائع وارتفاع احتياجات الشركات من السيولة ورأس المال العامل، بما قد يضغط على هوامش أرباحها ويؤثر في خطط الإنتاج والتوزيع.

وتشير تقارير «أونكتاد» بشأن النقل البحري إلى أن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر دفعت شركات شحن إلى تحويل مسارات سفنها حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يطيل الرحلات ويرفع تكاليف التشغيل والشحن والتأمين، ويؤكد أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت عاملًا مؤثرًا في قرارات النقل والتجارة.

مضيق هرمز نقطة ضغط على أسواق الطاقة

وأشار محمد محمود إلى أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز لفترات طويلة يدفع الدول والشركات إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة لنقل الطاقة والتجارة، حتى إذا كانت هذه البدائل أكثر تكلفة في البداية.

وأوضح أن دول الخليج، ومنها السعودية، تعمل على الاستفادة من مسارات وخطوط نقل بديلة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المتأثرة بالتوترات، بما يعزز أهمية تنويع طرق تصدير الطاقة وتأمين تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية.

وتتناول تقارير «أونكتاد» بشأن اضطرابات مضيق هرمز تداعيات المخاطر على تجارة النفط المنقولة بحرًا وأسواق الغاز والأسمدة، إلى جانب انعكاساتها على أسعار الطاقة وأجور ناقلات النفط وتكاليف التأمين البحري.

وتكمن خطورة اضطراب هذا الممر في أن تأثيره لا يتوقف عند الدول المنتجة أو المستهلكة للطاقة، بل يمتد إلى الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وقطاعات النقل والإنتاج الزراعي، خصوصًا مع ارتباط صناعة الأسمدة بتوافر الغاز الطبيعي، وهو ما قد يرفع تكاليف الإنتاج ويزيد الضغوط على أسعار الغذاء.

كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يدفع الحكومات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والطاقة، وتسريع الاستثمار في البنية التحتية البديلة ومصادر الطاقة المتنوعة، مع مراعاة أن إنشاء مسارات جديدة أو توسيع قدرات النقل يحتاج إلى تمويل ووقت قبل أن يظهر أثره الكامل.

هل تعيد الأزمة رسم خريطة التجارة الدولية؟

تدفع التوترات الحالية الشركات والحكومات إلى إعادة تقييم مدى الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية، والبحث عن بدائل تقلل مخاطر تعطل الإمدادات، حتى إن تطلب ذلك تحمل تكاليف إضافية في الأجل القصير.

وفي هذا الصدد، أوضح الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولات في خريطة التجارة ومسارات نقل البضائع، مع سعي دول مثل روسيا والصين إلى تنويع طرق وصول منتجاتها إلى الأسواق من خلال مسارات تجارية ومبادرات لوجستية بديلة، رغم استمرار هيمنة الطرق التقليدية على جانب كبير من حركة التجارة العالمية.

ويعني هذا التوجه أن قرارات اختيار مسارات النقل لم تعد ترتبط بالتكلفة والوقت فقط، وإنما باتت تشمل اعتبارات أمن الإمدادات والاستقرار السياسي وتوافر البنية التحتية والقدرة على الاستجابة السريعة للأزمات.

ومن المرجح أن تتجه بعض الشركات إلى تنويع مورديها ومراكز التخزين ومنافذ التصدير، بدلًا من الاعتماد على مسار واحد أو منطقة جغرافية محددة، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد، لكنه قد يرفع تكاليف التشغيل والمخزون خلال مراحل إعادة الهيكلة.

قناة السويس والمنطقة الاقتصادية فرصة مشروطة باستقرار الملاحة

أكد محمد محمود أن التطورات الجيوسياسية تعزز الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارها مركزًا مهمًا للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية، في ظل موقعها الجغرافي واتصالها بخطوط التجارة العالمية.

وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن استقرار المنطقة وتطوير بنيتها التحتية يمثلان عنصرين مهمين في جذب الاستثمارات وتعزيز دورها في سلاسل الإمداد.

وتمنح هذه التطورات مصر فرصة لتعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب الصناعات الموجهة للتصدير، وتطوير خدمات التخزين والتداول والتصنيع والخدمات البحرية، بما قد يساعد على تنويع مصادر الدخل وتعزيز ارتباط الاقتصاد المحلي بالأسواق الإقليمية والدولية.

ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الاقتصادات المستوردة

وأكد الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل تحديًا إضافيًا للدول المستوردة، ومنها مصر، نظرًا إلى انعكاسه على فاتورة الواردات وتكاليف النقل والإنتاج، فضلًا عن احتمالات انتقال جانب من الزيادات إلى المستهلكين وفقًا لتطورات الأسعار والسياسات المحلية.

وحذر محمود من أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات والضغط على الموازنة العامة، إلى جانب احتمالات انتقال جزء من هذه الزيادات إلى المستهلكين.

وتتعدد قنوات انتقال أثر الأزمة إلى الاقتصاد المحلي؛ إذ قد تؤدي زيادة أسعار النفط والغاز إلى ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة، فيما يمكن أن تنعكس زيادة تكاليف الشحن والتأمين على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج. وقد تواجه الشركات بدورها ضغوطًا على هوامش الأرباح، أو تضطر إلى رفع الأسعار أو تقليص بعض النفقات لمواجهة زيادة التكلفة.

أكد محمد محمود أن استمرار الأزمات لفترات ممتدة قد يسرّع من وتيرة التحول نحو مسارات بديلة للتجارة والطاقة، موضحًا أن هذه الخيارات قد تتطلب تكاليف مرتفعة في مراحلها الأولى، لكنها قد تصبح أكثر كفاءة مع تطور البنية التحتية وزيادة الاستثمارات فيها، ويشير ذلك إلى أن الأزمة الحالية قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى إعادة النظر في مفهوم كفاءة التجارة، بحيث لا يقتصر على اختيار المسار الأقل تكلفة، وإنما يشمل أيضًا القدرة على استمرار تدفق البضائع والطاقة عند وقوع اضطرابات مفاجئة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً