تدخل الأسواق المصرية مرحلة جديدة من الترقب مع تصاعد المخاوف من تجدد الضربات العسكرية ضد إيران، وسط حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل المواجهة الإقليمية وانعكاساتها على أسعار الطاقة وسعر صرف الجنيه وحركة الاستثمارات الأجنبية.
وبينما لا يزال اتخاذ قرار بشن هجوم جديد غير محسوم، فإن استعداد الاقتصاد المصري لمختلف السيناريوهات أصبح ضرورة لتقليل آثار أي تصعيد محتمل على الأسعار والتجارة والتمويل.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا متزامنة على سوق الصرف والبورصة، بعدما تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا خلال تعاملات الأسبوع، بالتزامن مع موجة بيع قوية للأسهم المصرية نتيجة ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتغير اتجاهات المستثمرين.
هل أصبحت الضربة الجديدة لإيران أقرب؟
تشير التطورات السياسية والعسكرية إلى استمرار احتمالات التصعيد، لكنها لا تعني أن تنفيذ ضربة جديدة أصبح أمرًا مؤكدًا، فقد أفادت تقارير أمريكية بأن مسؤولين أمريكيين حذروا حلفاء في المنطقة من الاستعداد لاحتمال استئناف الضربات بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر، مع بقاء القرار النهائي غير محسوم، وفي المقابل، تتواصل التحركات الدبلوماسية لتجنب اتساع المواجهة.
وتكمن أهمية هذه التطورات بالنسبة لمصر في أن تأثير الحرب لا يتوقف على المشاركة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن تحركات رؤوس الأموال بين الأسواق الناشئة والأصول الأكثر أمانًا.
فأي اضطراب جديد في الممرات البحرية أو منشآت الطاقة بالمنطقة يمكن أن يرفع تكاليف استيراد الوقود والسلع، ويزيد الضغوط على ميزان المدفوعات، خصوصًا إذا تزامن مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية.
الدولار والطاقة.. الاختبار الأصعب للاقتصاد المصري
يمثل سعر الصرف إحدى أهم قنوات انتقال آثار التصعيد الإقليمي إلى الاقتصاد المحلي، وأظهرت تحركات الأسبوع الحالي حساسية الجنيه للتغيرات السياسية وتدفقات الاستثمار، بعدما سجل الدولار مستويات قياسية تجاوزت 56 جنيهًا، وفقًا للتغطيات الاقتصادية المنشورة.
وأوضحت ندى مسعود، الخبير الاقتصادي، أن تحركات المستثمرين تتأثر بفروق العائد والمخاطر، وأن خروج الاستثمارات قصيرة الأجل من أدوات الدين يمكن أن يضغط على العملة المحلية.
كما أشارت إلى أن عودة الجنيه إلى مستويات أقوى لا تعني بالضرورة تراجع الأسعار التي ارتفعت بالفعل نتيجة انتقال آثار انخفاض العملة إلى الأسواق.
ويزيد ارتفاع النفط من تحديات الاقتصاد المصري لأي تصعيد، إذ قد يؤدي إلى زيادة فاتورة الطاقة وتكاليف النقل والإنتاج، بما ينعكس على أسعار الغذاء والسلع المستوردة، كما أن استمرار التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز قد يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤثر في تدفقات التجارة العالمية.
كيف تستعد مصر للسيناريوهات المحتملة؟
تبدأ المواجهة الاقتصادية بتأمين احتياجات البلاد من السلع الأساسية والوقود، ومراجعة مستويات المخزون الاستراتيجي، مع تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع استغلال المخاوف الخارجية في رفع الأسعار دون مبرر، ةيكتسب هذا المسار أهمية خاصة مع ارتفاع احتمالات اضطراب الإمدادات العالمية في حال اتساع نطاق المواجهة.
و دعا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال اجتماع للجنة إدارة الأزمات في ظل التصعيد الإقليمي، إلى تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية من السلع الغذائية والمنتجات البترولية.
كما تتطلب إدارة الأزمة الحفاظ على مرونة سعر الصرف وتوافر النقد الأجنبي لتلبية احتياجات الاستيراد الأساسية، مع متابعة حركة الأموال الأجنبية في أدوات الدين والأسهم. ويظل الاعتماد على تدفقات الاستثمار قصيرة الأجل وحدها مصدرًا للمخاطر، إذا تغيرت توقعات المستثمرين أو ارتفعت العوائد على الأصول المنافسة عالميًا.
ويمكن أن تسهم زيادة الصادرات وتعزيز موارد السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات الخدمات في تقوية قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، بدلًا من الاعتماد على إجراءات مؤقتة لا تعالج جذور نقص العملة الأجنبية.
هل تتحمل الأسواق موجة جديدة من التصعيد؟
يرى محللون أن اتجاه الجنيه والبورصة سيظل مرتبطًا بمدة التصعيد ومدى تأثيره على تدفقات الأموال الأجنبية، إلى جانب قدرة الاقتصاد المصري على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي. وفي المقابل، فإن استمرار توافر الدولار داخل الجهاز المصرفي يظل عنصرًا مهمًا لتلبية احتياجات المستوردين والحد من الاضطرابات في سوق الصرف.
و لا تتوقف قدرة مصر على مواجهة أي ضربة جديدة لإيران على حجم الاحتياطيات وحده، بل تعتمد أيضًا على سرعة الاستجابة الحكومية، وتأمين السلع الاستراتيجية، واحتواء التضخم، وتحسين مصادر النقد الأجنبي، فكلما طال أمد المواجهة واتسع نطاقها، ارتفعت تكلفة التعامل مع آثارها، بينما يظل المسار الدبلوماسي عاملًا حاسمًا في الحد من المخاطر التي تواجه اقتصادات المنطقة.