في ظل تصاعد وتيرة الصراع وإغلاق مضيق هرمز بفعل التوترات الجيوسياسية والعسكرية الدائرة، وجدت خريطة التجارة العالمية نفسها أمام مأزق غير مسبوق.
ومع تفاقم أزمة سلاسل الإمداد، دخلت مصر فجأة في معادلة التجارة الدولية كـ 'طوق نجاة' استراتيجي، حيث رصدت الأوساط الملاحية خلال الأيام الأخيرة زيادة ملحوظة وغير مسبوقة في الطلب على خدمات 'الترانزيت البري' عبر الأراضي المصرية، لتصبح الجسر البديل والأكثر أماناً بين أوروبا ودول الخليج العربي.
ا
تفريغ في المتوسط وعبور بري
في ظل الارتفاع الجنوني لرسوم التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن التجارية المتجهة إلى الخليج العربي عبر الممرات المائية الملتهبة، بدأت كبرى شركات الشحن الأوروبية في تفعيل 'الخطة ب'. تعتمد هذه الخطة باختصار على تغيير مسار السفن الأوروبية العملاقة لتقوم بتفريغ حمولاتها في الموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط 'مثل الإسكندرية، دمياط، وبورسعيد'، وبدلاً من إكمال الرحلة بحراً وسط حقول الألغام والتوترات، يتم نقل الحاويات عبر شبكة الطرق البرية المصرية الحديثة 'الترانزيت البري'.
بعد ذلك، يُعاد شحن هذه البضائع إما من موانئ البحر الأحمر المصرية 'مثل العين السخنة وسفاجا' لتكمل طريقها نحو الموانئ الخليجية الآمنة نسبياً، أو يتم تسييرها براً عبر العبارات والحدود المباشرة وصولاً إلى وجهتها النهائية في الأسواق الخليجية.
من "جحيم التأمين"
وأكد مصدر في غرفة الملاحة المصرية؛ فضل عدم ذكر اسمه، أن 'تليفونات وكلاء الشحن في مصر لم تتوقف عن الرنين خلال الأسبوع الماضي'.
ويضيف: 'الشركات الأوروبية تبحث عن حلول عاجلة. تكلفة التأمين على السفن التي تقترب من مناطق النزاع في مضيق هرمز أو البحر الأحمر تضاعفت بنسب تصل إلى 400% في بعض الحالات، وهو ما يجعل النقل البري عبر مصر، رغم تكلفته اللوجستية، الخيار الأرخص والأكثر أماناً وموثوقية في الوقت الحالي'.
ويوضح: 'ما كان يعتبره البعض مجرد طرق مسفلتة، أصبح اليوم شرياناً اقتصادياً قادراً على استيعاب آلاف الشاحنات المحملة بالبضائع الأوروبية يومياً لتجاوز عنق الزجاجة المتمثل في الممرات المائية المغلقة. نحن نتحدث عن عوائد دولارية ضخمة لمصر من رسوم العبور البري والتفريغ والشحن والتخزين'.
تحديات واعدة وسرعة في الإنجاز
ورغم الفرصة الذهبية، يفرض هذا التحول المفاجئ تحديات تشغيلية كبيرة.
فقد أفادت مصادر في قطاع الجمارك والنقل بوزارة المالية بوجود توجيهات سيادية بتسريع إجراءات الإفراج المؤقت بنظام 'الترانزيت'
لضمان عدم تكدس الحاويات في الموانئ، وتقليص زمن عبور الشاحنات من شمال مصر إلى شرقها وجنوبها إلى أقل من 24 ساعة.
يقول أحد مديري العمليات في شركة شحن دولية كبرى عاملة في مصر: 'نظام الـ (Drop and Drive) أو التفريغ والنقل الفوري أثبت فعاليته. الشاحنة تستلم الحاوية من ميناء الإسكندرية وتصل بها إلى موانئ البحر الأحمر في سياق زمني قياسي، متجاوزة أسابيع من التأخير كانت ستتكبدها السفن إذا قررت الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، ومتجنبة المخاطر الكارثية لعبور المضايق المشتعلة'.