قال الدكتور مصطفى الفقي، المفكر الساسي، إن مصر والقوى الإقليمية في الشرق الأوسط تواجه حملات إعلامية مشبوهة تتهم سياستها الخارجية المعروفة بالعقلانية والحكمة والرشادة على أنها ذات دور سلبي في ظل ظروفٍ صعبة تمر بها المنطقة، خصوصًا منذ أن تعرض الأشقاء في الخليج لعدوانٍ غير مبرر من جانب قوة إقليمية لم تكن في حالة عداء مع جيرانها وأعني بها دولة إيران بكل ما تمثله من تشابك تاريخي وتداخل جغرافي مع الدول العربية الإسلامية المجاورة لها في منطقة الخليج العربي.
وأضاف «الفقي»، في منشور له عبر موقع فيسبوك، قائلًا: إنه لم يكن من المتوقع إطلاقًا في خضم الأحداث المتسارعة التي تدور في المنطقة أن توجه طهران ضرباتها لدول الخليج مثلما تفعل أحيانًا خلايا الجسد عندما تصاب بسرطانٍ مفاجئ يجعلها لا تفرق بين الجار الهادئ والعدو البعيد، وإذا كان التبرير الإيراني لتلك الضربات أنها تستهدف قواعد انطلاق الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة فإن ذلك لا يبرر أبدًا أن تقوم طهران بما فعلته لأن ذلك قد أدى إلى خلط الأوراق وتشكيل صورة عبثية للمنطقة.
بئر الفوضى
وتابع: إذا كانت إيران تطبق مقولة (على وعلى أعدائي) بلا تفرقة ولا تمييز فإنها قد سقطت في بئر الفوضى ومستنقع الغموض الذي تبحر فيه سياسة طهران في كثير من الظروف، ولابد أن أعترف هنا بأنني كنت شخصيًا من دعاة احتواء إيران، دولة الموالي من عجم وفرس وترك وكرد، فهي تضم خليطًا كبيرًا من قوميات الجوار وفي مقدمتهم الجوار العربي بكل ما يعنيه وما يشير إليه، لذلك فإن ما جرى هو خسارة كبيرة لصورة إيران الدولية ومكانتها الإقليمية وتأكيد لحقيقة واضحة مفادها أن إيران دولة التراث العريق والحضارة القديمة قد فشلت في توظيف هويتها الإسلامية لتشكيل صورة أفضل لها أمام المجتمع الدولي وفي وسط صراعاته المتلاحقة، والذي يتأمل الموقف الراهن في غرب آسيا سوف يكتشف بسهولة أن إيران تتخذ قراراتها الخارجية في ظل ضغوطٍ داخلية وأزمات إقليمية وتهديدات خارجية، لأن الذي يتدخل في شئون غيره في العقود الأخيرة لابد أن يحصد الأشواك السامة في نهاية المطاف!.
سوء حظ إيران
وأوضح أن من سوء حظ إيران والمنطقة كلها أن إسرائيل تقف على الجانب الآخر تراقب في كثب ما يجري حولها وتحيل الأحداث إلى مسارات تخدم الأهداف الصهيونية البعيدة، وكأنما ابتلينا نحن – دول المنطقة – بخيارين أحلاهما مر، فنحن لا ننكر العلاقات التاريخية بين إيران والعرب ولكننا نشعر بالألم في الوقت ذاته لأن طهران منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979 وهي تمارس سياسات ناجحة في كسب الأعداء وخلق المخاوف وصنع الاضطرابات، خصوصًا باعتمادها على ما تسميه ساحات المقاومة وهو أمر مشروع في ظل سطوة الاحتلال الإسرائيلي والحملات الصهيونية التي نجحت في تشويه الواقع وتغيير معالم الأرض والدفع بالمنطقة نحو آفاقٍ غامضة ورؤى مجهولة.
النضال الفلسطيني
وأكد أنه لا جدال أن ما يحدث حاليًا إنما هو خصمٌ من النضال الفلسطيني وتنكر لدماء الشهداء في غزة على امتداد السنوات الماضية، حيث تأكد للجميع أن تضحيات الشعب الفلسطيني الباسل قد استخدمتها إيران لأهداف سياسية تخدم دورها الإقليمي وهي ترتدي قميص عثمان الذي نقصد به تضحيات ذلك الشعب الذي يقف حاليًا وهو ينظر حوله إلى الأرض السليبة والبيوت المهدمة والأمل الضائع، وها هو حزب الله يتلقى ضربات موجعة من الجيش الإسرائيلي الذي لم يتوقف عن مواصلة القمع والقهر والقتل العشوائي تحت مسمى تأمين إسرائيل، بينما القذائف الإيرانية تصل إلى عمق الدولة العبرية في سوابق جديدة لم يعهدها اليهود من قبل على امتداد العقود الأخيرة.
وأضاف: لا يخالجني شك أن ما هو قادم سيكون مختلفًا بالضرورة عن كل ما مضى، وأن فتح الستار بعد فترة قد لا تطول سوف يكشف عن ميلاد قوى جديدة بل ويسقط تحالفات تاريخية ويوقظ لدى العرب شعورًا حقيقيًا بالذات وضرورة تحقيق الأمن الاستراتيجي للدول العربية اعتمادًا على القدرات الذاتية والاستعدادات العسكرية، خصوصًا أننا قد اكتشفنا أخيرًا أن دول الخليج ليست محدودة القدرة أو مهيضة الجناح، ويبقى الموقف المصري شاهدًا على حكمة السياسة التي اتبعتها القاهرة في السنوات الأخيرة، وهي سياسة تبدو فيها المسئولية القومية فوق كل اعتبار، كما أنها لا تغفل أيضًا المصلحة الوطنية للشعب المصري الكبير حجمًا وعمقًا وقوة عسكرية ووعيًا بالتاريخ وقراءة للمستقبل وتأثيرًا في محيطه العربي والإقليمي.
مصر تصارع من أجل سلامة المنطقة
واختتم تصريحاته قائلًا: إلى الذين ينتقدون مصر وسياستها الخارجية أقول ضعوا أنفسكم في موقف القاهرة السياسي دوليًا ومحليًا وإقليميًا بكل تلك الضغوط التي تحيط بها والمؤامرات التي تحاك ضدها تحت سمع وبصر الأشقاء والأصدقاء، عندئذٍ سوف يدرك الجميع أن مصر تصارع من أجل سلامة المنطقة والتوقف عن دفع فواتير عربية في مغامرات أمريكية وجرائم إسرائيلية ومفاجآت إيرانية تسعى إلى تحويل الوضع الراهن إلى حرب استنزاف طويلة المدى لإنهاك الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط...'