في تطور لافت يعكس اتساع دائرة التفاعلات الأمنية الإقليمية، وصل وفد رفيع المستوى يمثل جبهة تحرير أزواد إلى شرق ليبيا لإجراء مباحثات رسمية مع نائب القائد العام للقوات المسلحة للجيش الوطني الليبي، صدام حفتر. وتكشف هذه الزيارة، التي استقطبت اهتمام الدوائر الاستخباراتية والإعلامية، عن ترسيخ قناة اتصال متنامية بين قيادة شرق ليبيا وأحد أبرز الأطراف المسلحة الفاعلة في شمال مالي ومنطقة الساحل الإفريقي، وسط تكتم حول الأجندة التفصيلية للمحادثات.
وأفادت تقارير إعلامية متطابقة، من بينها ما نشرته منصة "أفريكا إنتليجنس"، بأن الزيارة تسلط الضوء على تشابك المصالح والملفات في المنطقة، لاسيما أن جبهة تحرير أزواد تخوض صراعاً مسلحاً محتدماً في شمال مالي، في وقت ترتبط فيه قيادة شرق ليبيا بعلاقات عسكرية وسياسية وطيدة مع موسكو التي تقدم دعماً بارزاً للسلطات المركزية في باماكو عبر حضورها العسكري الميداني.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتصالات لا تمثل قطيعة مع الماضي أو بداية مفاجئة، إذ تعود جذورها إلى صفقات وملفات سابقة، أبرزها زيارة سرية سابقة لوفد أزواد إلى مدينتي أوباري وبنغازي في أغسطس الماضي. وجاءت تلك التحركات حينها في سياق مساعٍ وجهود حثيثة لمعالجة ملف مقاتلين روس وقعوا في الأسر لدى الجبهة عقب المعارك الضارية التي شهدتها منطقة تينزاواتين شمالي مالي في عام 2024. وقد أُسدل الستار على تلك الأزمة بإطلاق سراح محتجزين روسيا بعد وساطة محورية لعبها صدام حفتر قبل نقل المفرج عنهما إلى ليبيا، مما مهد الطريق لتحول هذه القنوات من معالجة ملف الأسرى الضيق إلى آفاق أوسع من التنسيق الأمني والسياسي.
ويكتسب الإقليم الجنوبي الليبي، ولا سيما منطقة فزان، اهمية جغرافية وديموغرافية بالغة، حيث يشكل نقطة تواصل حيويّة وامتداداً بشرياً وقبلياً وتجارياً مع دول الساحل كمالي والنيجر وتشاد. وقد دأبت جبهة تحرير أزواد خلال السنوات الأخيرة على بناء شبكات واسعة تمتد عبر الحدود لتأمين خطوطها اللوجستية في مواجهة الجيش المالي وحلفائه، بينما تبرز بنغازي كمركز قرار عسكري وسياسي متنامي النفوذ، منخرط بشكل متصاعد في قضايا إقليمية تتجاوز الحدود الليبية نحو مهام الوساطة وضبط الحدود في منطقة الساحل.
وفيما يخص تفاصيل المباحثات الحالية، أشارت التقارير إلى أن وفد جبهة تحرير أزواد تقدم بطلبات للحصول على دعم وتعاون عسكري، بما في ذلك توفير معدات ولوجستيات، إلا أن هذه المطالب لم تلقَ استجابة فعلية، وسط دعوات للحذر في قراءة طبيعة تلك الطلبات وموقف قيادة شرق ليبيا منها في ظل تعقيدات المشهد الدولي والإقليمي.
وتؤكد هذه التطورات تحول ليبيا المتسارع إلى منصة فاعلة للتواصل الدبلوماسي والأمني في أزمات الساحل الإفريقي، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الذي ترسمه قيادة شرق ليبيا لنفسها في موازنات المنطقة، وما إذا كانت قنوات التواصل المفتوحة مع الحركات المسلحة ستتطور لتصبح أدوات فاعلة للوساطة الإقليمية المستدامة، أم ستظل محكومة بضوابط الملفات الأمنية والإنسانية العاجلة.