أكد الباحث بمركز العرب للدراسات والأبحاث محمد مخلوف، أن انعقاد القمة التشاورية الرباعية في مدينة العلمين اليوم الأحد 4 أكتوبر بحضور قادة مصر وإريتريا والسودان والصومال، يمثل نقطة تحول في هندسة الأمن الإقليمي للقرن الأفريقي، كونها المرة الأولى التي يجتمع فيها هذا المحور الجغرافي الممتد من حوض النيل حتى خليج عدن في صيغة رباعية متكاملة، وبما يتزامن مع انعقاد الاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي، مما يضفي عليها ثقلاً قارياً وليس ثنائياً فقط.
وأوضح مخلوف أن دلالة التوقيت لا يمكن فصلها عن المشهد المتفجر خلال الـ 72 ساعة الماضية، والمتمثل في إعلان أديس أبابا إغلاق سفارتها لدى أسمرة وطرد طاقمها الدبلوماسي، ورد إريتريا بقطع العلاقات بالكامل، وتبادل قرارات اعتبار دبلوماسيين أشخاصاً غير مرغوب فيهم بين القاهرة وأديس أبابا، وتجدد المواجهات المسلحة في تيغراي. وهو ما يؤكد أن منطقة القرن الأفريقي دخلت مرحلة إعادة تشكيل قسري تحاول إثيوبيا فرضها كأمر واقع.
وأضاف أن ما يجري في العلمين هو استكمال لمسار استراتيجي دشنته قمة أسمرة الثلاثية في أكتوبر 2024 بين مصر وإريتريا والصومال، والتي أسست لآلية تنسيق دائمة عبر لجنة وزارية مشتركة لبحث قضايا السودان والصومال وأمن البحر الأحمر. وانضمام السودان اليوم لا يضيف عضواً جديداً فحسب، بل يغلق الحلقة الجغرافية للمحور الغربي الكامل للبحر الأحمر، ويحول التنسيق من تفاهمات سياسية إلى بنية أمنية متماسكة.
وأشار محمد مخلوف، إلى أن جوهر المباحثات يتمحور حول أمن البحر الأحمر وباب المندب، في ظل السعي الإثيوبي المعلن منذ 2023 للحصول على مخرج بحري عبر المطالبة بمينائي عصب ومصوع أو عبر تفاهمات غير قانونية مع كيانات انفصالية كـ أرض الصومال. وهو تحرك تعتبره الدول الأربع تهديداً مباشراً لأمنها القومي ولحرية الملاحة الدولية، وتجمع على أن البحر الأحمر ليس ساحة لتسوية عقدة الجغرافيا الحبيسة بالقوة.
ونوه مخلوف إلى أن القمة تضع في صلب أولوياتها ملفي السودان والصومال وفق مقاربة مصرية تقوم على دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، ففي السودان تؤكد القاهرة دعمها لوحدة السودان واستقراره وسيطرة جيشه الوطني على كامل ترابه خاصة في المناطق الحدودية بالنيل الأزرق، وفي الصومال ترتقي العلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة المعلنة في يناير 2025، مع التأكيد على أن وحدة الأراضي الصومالية خط أحمر وأن أي اعتراف بكيانات انفصالية يشكل خرقاً للقانون الدولي.
واختتم محمد مخلوف، قائلا : اختيار العلمين لاستضافة هذا التجمع لم يكن اعتباطياً، بل يعكس رؤية مصرية لتحويل المدينة التي كانت رمزاً للحرب والألغام إلى منصة للدبلوماسية الوقائية وصناعة القرار الأفريقي، خاصة مع استضافتها المتزامنة لمنتدى العلمين- أفريقيا للأعمال وقمة النيباد. فالقاهرة لا تبني محوراً ضد أحد، بل تؤسس لنظام إقليمي جديد قائم على 3 ثوابت: احترام سيادة الدول وعدم التدخل، رفض فرض الوجود البحري لدولة غير ساحلية بالقوة، وتغليب الحلول السياسية على سياسة حافة الهاوية.