مع انطلاق مرحلة ما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026، يعود الجدل حول جدوى مشاركة الأحزاب العربية في الائتلافات الحكومية، وحدود ما يمكن أن تحققه من مكاسب اقتصادية وخدمية للمواطنين العرب داخل إسرائيل، في مقابل التنازلات السياسية التي قد تفرضها حسابات تشكيل الحكومة.
وتتصدر القائمة العربية الموحدة «رعام»، بقيادة منصور عباس، هذا النقاش، بعدما كسرت في عام 2021 حاجزًا سياسيًا طويلًا بانضمامها إلى حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، في تجربة استندت إلى أولوية معالجة قضايا الجريمة والإسكان والتعليم والميزانيات المحلية، بدلًا من حصر المشاركة البرلمانية في المواقف السياسية العامة.
لكن حصيلة التجربة تطرح سؤالًا أساسيًا في انتخابات 2026: هل تحولت المشاركة الإسلامية في الكنيست إلى تغيير ملموس ومستدام في حياة عرب 48، أم أن المكاسب ظلت مرتبطة بتوازنات ائتلافية مؤقتة، بينما استمرت أزمات الأمن الشخصي والفجوات الاقتصادية والتمثيل السياسي؟
«رعام» وتجربة المشاركة الحكومية.. من التمثيل إلى التأثير
مثّلت مشاركة «رعام» في حكومة 2021-2022 تحولًا في إستراتيجية جزء من التمثيل السياسي العربي؛ إذ انتقلت القائمة من موقع المعارضة إلى المشاركة في ائتلاف حكومي ضم أحزابًا من اتجاهات سياسية متباينة.
وربطت قيادة الحزب دعمها للحكومة بالتزامات تتعلق بتطوير البلدات العربية، ومواجهة العنف والجريمة المنظمة، وتحسين التخطيط العمراني، ومعالجة مشكلات السكن والبنية التحتية.
وبحسب ما أعلنته «رعام» خلال مفاوضات تشكيل الحكومة عام 2021، تضمنت التفاهمات خططًا وميزانيات للمجتمع العربي تجاوزت 53 مليار شيكل، بينها خطة اقتصادية متعددة السنوات بقيمة 30 مليار شيكل. ويجب التمييز هنا بين المبالغ التي أُعلن تخصيصها أو التعهد بها وبين الأموال التي صُرفت فعليًا والنتائج التي تحققت على الأرض.
وكان الرهان السياسي أن يمنح هذا النهج الأحزاب العربية قدرة أكبر على التأثير في القرارات الحكومية، وأن يتيح تحويل أصوات الناخبين إلى استثمارات في الخدمات العامة، بدلًا من الاكتفاء بالتمثيل البرلماني والاحتجاج على سياسات الحكومات المتعاقبة.
غير أن التجربة لم تستمر طويلًا؛ إذ انهارت حكومة بينيت ولابيد في عام 2022، وعادت «رعام» إلى المعارضة في ظل تغير الخريطة السياسية، بما كشف حدود قدرة حزب صغير على ضمان استمرار التفاهمات التي يعقدها مع شركائه.
خطة الـ30 مليار شيكل.. ماذا تقول الأرقام الرسمية؟
واعتمدت الحكومة الإسرائيلية في أكتوبر 2021 القرار رقم 550، المعروف بالخطة الخمسية لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العربي خلال الفترة من 2022 إلى 2026.
وبحسب سلطة التطوير الاقتصادي لقطاع الأقليات التابعة للحكومة الإسرائيلية، بلغت المخصصات الإجمالية للخطة 30 مليار شيكل، موزعة على المجتمع العربي والبدو في الشمال والجنوب، إضافة إلى المجتمعين الدرزي والشركسي، مع استهداف مجالات التعليم والتشغيل والبنية التحتية والخدمات المحلية. لكن الأرقام تكشف أن إقرار الميزانية لا يعني بالضرورة تنفيذها بالكامل.
ففي تقرير نشره بنك إسرائيل في مارس 2024 عن الخطة السابقة، رقم 922، التي نُفذت خلال الفترة من 2016 إلى 2021، أشار البنك إلى تخصيص نحو 13 مليار شيكل، مع استخدام قرابة 70% من الموازنات حتى نوفمبر 2021.
كما رصد صعوبات في تنفيذ بعض المخصصات، خاصة المتعلقة بالسلطات المحلية، بسبب مشكلات تسجيل الأراضي وتوافرها ومتطلبات التمويل الذاتي.
وتوضح هذه النتائج أن نجاح أي تمثيل سياسي في انتزاع موازنات إضافية يجب أن يُقاس بثلاثة مؤشرات مترابطة: حجم الأموال التي أُقرت، ونسبة ما نُفذ منها بالفعل، ومدى انعكاس الإنفاق على جودة الخدمات وفرص العمل والسكن ومستوى الأمان.
الجريمة والأمن الشخصي.. الاختبار الأصعب
وتظل الجريمة المنظمة والعنف من أكثر الملفات إلحاحًا في البلدات العربية، وهي من القضايا التي استندت إليها «رعام» في تبرير نهج المشاركة الحكومية.
ومع ذلك، فإن استمرار الأزمة أعاد فتح النقاش حول قدرة المشاركة السياسية على تحقيق نتائج ملموسة، وحول مسؤولية الحكومة وأجهزتها عن إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة.
وفي يونيو 2026، ناقشت لجنة خاصة في الكنيست تأثير تقليص موازنات الخطة الخمسية للمجتمع العربي. وأوردت اللجنة بيانات تفيد بأن المبالغ المصروفة فعليًا حتى نهاية 2024 بلغت نحو 4.9 مليار شيكل، من أصل موازنة أصلية قدرها 24.5 مليار شيكل وفق نطاق المتابعة المحاسبية المذكور في التقرير، مع تسجيل تفاوت بين المبالغ المخصصة والملتزم بها والمنفقة.
وتبرز أهمية هذه الأرقام في أنها تعكس فجوة بين المخصصات المعلنة والتنفيذ الفعلي، من دون أن تعني وحدها أن كل تعثر يرجع إلى الأحزاب العربية أو إلى قرار سياسي بعينه.
كما أن توجيه أموال من برامج التنمية المدنية إلى أدوات إنفاذ القانون أثار اعتراضات داخل الكنيست؛ إذ رأى نواب وممثلون عن منظمات مدنية أن تقليص التمويل المخصص للتعليم والتشغيل والبنية التحتية قد يضعف معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالأزمة.
ما التنازلات السياسية المرتبطة بالمشاركة؟
لا يمكن تقييم تجربة «رعام» بمعزل عن الجدل الذي صاحب قرارها الانضمام إلى حكومة ضمت أحزابًا تختلف معها في قضايا قومية وأيديولوجية أساسية.
فقد أعطت القائمة أولوية للتفاهم على الملفات المدنية والاقتصادية؛ ما اعتبره مؤيدو نهجها فرصة لتحقيق مكاسب مباشرة للمواطنين العرب. وفي المقابل، أثار هذا الخيار انتقادات تتعلق بحدود التوافق الممكن مع شركاء حكوميين لا يتبنون بالضرورة المواقف العربية بشأن القضية الفلسطينية أو طبيعة الدولة أو سياسات الأراضي والاستيطان.
وهنا ينبغي التفريق بين التنازل السياسي الموثق، مثل قبول اتفاق ائتلافي محدد، وبين الاتهامات العامة التي يطلقها الخصوم بشأن دوافع الأحزاب أو مواقفها. فالحكم على حجم التنازلات يتطلب الرجوع إلى الاتفاقات الرسمية، والتصويت داخل الكنيست، والقرارات الحكومية التي وافق عليها الحزب أو عارضها.
كذلك لا يصح اعتبار كل ميزانية أقرت خلال فترة مشاركة «رعام» نتيجة مباشرة لوجودها في الائتلاف؛ فبعض برامج تقليص الفجوات، ومنها الخطة 922، سبقت تجربة الحزب الحكومية، بينما امتدت الخطة 550 إلى ما بعد سقوط الحكومة التي شاركت فيها القائمة.
انتخابات 2026.. وزن برلماني أكبر أم تأثير سياسي محدود؟
وقد أعادت انتخابات 27 أكتوبر 2026 مسألة تمثيل الأحزاب العربية إلى واجهة المشهد الإسرائيلي، وسط خلافات بشأن إمكانية مشاركتها في أي ائتلاف مقبل.
وبحسب وكالة «رويترز» في تقريرها المنشور اليوم الأربعاء، أظهرت النتائج الأولية، بعد فرز 48.4 % من الأصوات، تقديرات بواقع 55 مقعدًا لكتلة بنيامين نتنياهو، و50 مقعدًا للكتلة المنافسة بقيادة غادي آيزنكوت، و15 مقعدًا للأحزاب العربية.
وأشارت الوكالة إلى أن الكتلتين الرئيسيتين لم تحصلا على الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة، والمحددة بـ61 مقعدًا من أصل 120، في حين واجهت إمكانية التعاون مع الأحزاب العربية عقبات سياسية معلنة. وهذه أرقام أولية وليست نتيجة نهائية.
ويعني ذلك أن أهمية التمثيل العربي لا تتوقف على عدد المقاعد وحده، بل ترتبط أيضًا بمدى استعداد القوى الأخرى للتفاوض معه، وبشروط المشاركة التي يضعها، وبقدرته على تحويل أي تفاهم سياسي إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
كما أن تجربة 2021-2022 تجعل مسألة الضمانات أكثر حضورًا: هل ستُربط أي مشاركة مقبلة بجداول زمنية واضحة، وآليات رقابة على الإنفاق، ومؤشرات معلنة لخفض الجريمة وتحسين الخدمات؟ أم ستظل الوعود مرتبطة بمدة بقاء الحكومة وتوازنات شركائها؟
بين المكاسب الخدمية والتمثيل السياسي.. ما الذي ينبغي قياسه؟
وتكشف تجربة «رعام» أن المشاركة في الحكومة قد تفتح بابًا للتفاوض على الموازنات والخدمات، لكنها لا تضمن بمفردها إزالة الفجوات الاقتصادية أو معالجة العنف أو حل أزمات التخطيط والإسكان.
وفي المقابل، لا يكفي الاستناد إلى استمرار المشكلات لنفي أي أثر للموازنات والبرامج الحكومية؛ إذ يتطلب التقييم مقارنة ما نُفذ فعليًا بما أُقر، وتحديد المسؤوليات بين الوزارات والسلطات المحلية والأحزاب المشاركة، وفحص النتائج على مدى زمني مناسب.
ومع دخول إسرائيل مرحلة تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2026، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى عرب 48 مرتبطًا بطبيعة المقابل السياسي لأي مشاركة: ما الالتزامات التي يمكن توثيقها؟ وما المبالغ التي ستصل فعلًا إلى السلطات المحلية؟ وما الضمانات التي تحول دون تقليص البرامج أو إعادة توجيه مخصصاتها؟