تخيل أن تتلقى اتصالًا هاتفيًا مفاجئًا، تسمع خلاله صوت ابنك وهو يبكي ويطلب النجدة، ويخبرك بأنه تعرض لحادث أو جرى احتجازه، وأنه يحتاج إلى أموال بشكل عاجل للخروج من المأزق. قد لا تتردد لحظة في محاولة إنقاذه، لكن ماذا لو كان الصوت الذي تسمعه ليس صوت ابنك الحقيقي، وإنما نسخة رقمية صنعها محتال باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
فلم تعد عمليات النصب الهاتفي تعتمد فقط على انتحال الشخصية أو اختلاق القصص الوهمية؛ إذ دخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى عالم الاحتيال، وأصبح بإمكان المحتالين تقليد أصوات الأشخاص المقربين من ضحاياهم، واستخدامها في مكالمات تستهدف استغلال الخوف والقلق لدفع العائلات إلى تحويل الأموال دون التحقق من حقيقة الموقف.
وتثير هذه الظاهرة مخاوف متزايدة بشأن أمن الأفراد والعائلات، خاصة مع انتشار التسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو الشخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ما تقنية تزييف الصوت بالذكاء الاصطناعي؟
وتعتمد تقنية استنساخ الصوت (Voice Cloning) على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي لتحليل عينة صوتية لشخص معين، والتعرف على خصائص صوته وطريقة نطقه ونبرته، ثم إنتاج صوت اصطناعي يحاكي صوته بدرجة قد تجعل التمييز بينهما أمرًا صعبًا.
وتكمن خطورة هذه التقنية في أن المحتال لا يحتاج بالضرورة إلى تسجيلات طويلة، إذ يمكنه الاستفادة من مقاطع صوتية قصيرة منشورة عبر الإنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي لإنشاء نسخة صوتية مزيفة.
وحذرت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) من استغلال هذه التقنية في عمليات الاحتيال التي تستهدف العائلات، مؤكدة أن المحتالين قد يستخدمون صوتًا مستنسخًا لأحد أفراد الأسرة لطلب المساعدة المالية تحت ضغط حالة طوارئ وهمية.
كيف تبدأ عملية النصب بصوت أحد أفراد الأسرة؟
وتسير عملية الاحتيال عادة وفق سيناريو مدروس يستهدف التأثير النفسي على الضحية، ويمكن أن تمر بعدة مراحل:
- جمع التسجيلات الصوتية: يبحث المحتال عن مقاطع صوتية للشخص المستهدف عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أو الفيديوهات المنشورة له.
- استنساخ الصوت: يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء نسخة تحاكي صوت الشخص الحقيقي.
- اختلاق حالة طوارئ: يتصل المحتال بأحد أفراد الأسرة مدعيًا أنه الابن أو الابنة، ويخبره بالتعرض لحادث أو الاحتجاز أو الاختطاف.
- الضغط النفسي: يستخدم نبرة صوت مرتبكة أو باكية، ويطالب بتحويل الأموال فورًا لإنهاء الأزمة.
- منع التحقق: قد يطلب من الضحية عدم إخبار أي شخص، أو يدعي أن الوقت لا يسمح بإجراء مكالمة أخرى.
وتشير تحذيرات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية إلى أن المحتالين قد يستعينون بأشخاص آخرين ينتحلون صفة محامين أو أطباء أو مسؤولين، لإضفاء المصداقية على الرواية الوهمية وزيادة الضغط على الأسرة.
لماذا يصعب اكتشاف الصوت المزيف؟
تكمن المشكلة في أن تقنيات استنساخ الصوت أصبحت قادرة على محاكاة خصائص صوتية مميزة، مثل نبرة الحديث وطريقة نطق الكلمات والانفعالات الصوتية.
كما يستغل المحتالون ارتباط أفراد الأسرة العاطفي ببعضهم، إذ إن سماع صوت الابن أو الابنة في حالة استغاثة قد يدفع الأب أو الأم إلى التصرف بسرعة دون التفكير في احتمالية التعرض للاحتيال.
ولا يعني ذلك أن كل صوت غير مألوف أو مكالمة مرتبكة عملية نصب، لكن الاعتماد على الصوت وحده لم يعد وسيلة كافية للتأكد من هوية المتصل.
7 علامات تكشف محاولة الاحتيال بتزييف الصوت
وهناك مجموعة من المؤشرات التي تستدعي الحذر عند تلقي مكالمة استغاثة من شخص يدعي أنه أحد أفراد الأسرة:
- طلب تحويل الأموال فورًا: خاصة إذا كان المتصل يرفض الانتظار أو التحقق من الواقعة.
- الادعاء بالتعرض لحادث أو اختطاف: مع مطالبة الأسرة بدفع مبلغ مالي للإفراج عنه.
- الإصرار على السرية: مطالبة الضحية بعدم التواصل مع بقية أفراد الأسرة.
- رفض إنهاء المكالمة: لمنع الضحية من الاتصال بالشخص الحقيقي.
- طلب الدفع بوسائل غير معتادة: مثل العملات المشفرة أو بطاقات الهدايا أو التحويلات التي يصعب استردادها.
- تغيير تفاصيل الرواية: تقديم معلومات متضاربة عن مكان وجود الشخص أو طبيعة الأزمة.
- ظهور شخص آخر في المكالمة: يدعي أنه محامٍ أو طبيب أو مسؤول ويؤكد ضرورة الدفع الفوري.
وتؤكد الجهات المعنية بمكافحة الاحتيال أن الاستعجال والضغط العاطفي وطلب الأموال بطرق يصعب استردادها من أبرز السمات المشتركة في عمليات الاحتيال التي تستهدف العائلات.
كيف تحمي أسرتك من تزييف الأصوات؟
ولمواجهة هذا النوع من الاحتيال، ينصح باتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية:
- الاتفاق على كلمة سر عائلية: اختيار كلمة أو جملة لا يعرفها سوى أفراد الأسرة، واستخدامها للتحقق من الهوية في المواقف الطارئة.
- الاتصال بالرقم الأصلي: إذا تلقيت مكالمة استغاثة، أنهِ الاتصال واتصل بالشخص المعني على رقمه المحفوظ لديك.
- التواصل مع بقية الأسرة: إذا لم تتمكن من الوصول إلى الشخص، حاول التواصل مع أحد المقربين منه للتأكد من سلامته.
- عدم تحويل الأموال تحت الضغط: لا ترسل أي مبالغ قبل التأكد المستقل من حقيقة الواقعة.
- تقليل التسجيلات الصوتية العامة: تجنب نشر تسجيلات شخصية غير ضرورية، وراجع إعدادات الخصوصية لحسابات أفراد الأسرة.
- عدم مشاركة البيانات الشخصية: لا تقدم أرقام الحسابات أو كلمات المرور أو رموز التحقق لمتصل مجهول.
وتوصي لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية باستخدام وسيلة اتصال مستقلة للتحقق من هوية الشخص، وعدم اعتبار تشابه الصوت دليلًا على أن المتصل هو بالفعل فرد الأسرة.
ماذا تفعل إذا تعرضت أسرتك لمحاولة ابتزاز صوتي؟
إذا تلقيت مكالمة يُشتبه في أنها تعتمد على تزييف الصوت، فلا تستجب للمطالب المالية، واحتفظ برقم المتصل والرسائل والتسجيلات المتاحة، وحاول التحقق من سلامة الشخص الذي يجري انتحال هويته من خلال وسيلة اتصال أخرى.وفي حالة تحويل أموال بالفعل، تواصل سريعًا مع البنك أو جهة الدفع لمحاولة إيقاف المعاملة أو استرداد المبلغ، واحتفظ بالأدلة اللازمة لتقديم بلاغ إلى الجهات المختصة.
الذكاء الاصطناعي بين تسهيل الحياة وتهديد الخصوصية
تكشف عمليات الاحتيال باستخدام تزييف الأصوات عن جانب خطير من الاستخدامات الإجرامية لتقنيات الذكاء الاصطناعي، فالأدوات التي يمكن توظيفها في الإنتاج الإعلامي والتعليم والخدمات الرقمية يمكن أيضًا استغلالها في انتحال الشخصيات والتلاعب بالمشاعر وسرقة الأموال.
ومع تطور هذه التقنيات، لم تعد الحماية الرقمية مسؤولية المؤسسات والبنوك وحدها، بل أصبحت تبدأ من داخل الأسرة، عبر رفع الوعي، والاتفاق على وسائل تحقق مشتركة، وعدم اتخاذ قرارات مالية تحت تأثير الخوف.