ads
ads

مافيا الزيوت المعاد تدويرها.. كيف تتحول زيوت القلي المستعملة إلى قنابل موقوتة في المطاعم؟

الزيت المضبوط
الزيت المضبوط
كتب : أهل مصر

في الوقت الذي يبحث فيه المستهلك عن وجبة آمنة بسعر مناسب، قد تتحول زيوت القلي المستعملة إلى خطر خفي داخل بعض المطاعم ومحال الأطعمة، خاصة عندما تُستخدم مرارًا وتكرارًا دون الالتزام بالاشتراطات الصحية، أو تدخل في مسارات تداول غير مشروعة تعيدها إلى الاستخدام الغذائي بدلًا من توجيهها إلى أغراض صناعية آمنة.

ولا تتوقف الأزمة عند تدهور جودة الزيت داخل المقلاة، بل تمتد إلى احتمالات جمع الزيوت المستعملة وبيعها بعيدًا عن المنظومة الرسمية، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات الغش والتلاعب، ويثير تساؤلات حول الرقابة على المطاعم وتجار الزيوت وسلاسل إعادة التدوير.

وتزداد خطورة الملف مع تأكيد الجهات الرقابية أن الزيوت المستعملة الناتجة عن القلي المتكرر لا يجوز تحويلها إلى منتجات غذائية صالحة للاستهلاك الآدمي، وأن إعادة تدويرها يجب أن تتم في مسارات صناعية مرخصة.

ماذا يحدث لزيت القلي بعد الاستخدام المتكرر؟

عندما يتعرض الزيت لدرجات حرارة مرتفعة لفترات طويلة، تبدأ سلسلة من التفاعلات الكيميائية، أبرزها الأكسدة والتحلل الحراري والتحلل المائي، وتتأثر سرعة هذه التفاعلات بدرجة الحرارة ومدة التسخين ونوع الزيت وبقايا الطعام الموجودة فيه.

وتؤدي هذه العمليات إلى تغير خصائص الزيت، وقد ينتج عنها:

- مركبات الألدهيدات، ومنها مركبات ترتبط بمخاطر صحية محتملة.

- زيادة نواتج الأكسدة والتحلل التي تؤثر على جودة الزيت.

- تغير اللون والرائحة والطعم، مع ظهور روائح نفاذة أو غير طبيعية.

- تكوّن مركبات قطبية ونواتج تحلل تشير إلى تدهور الزيت.

وتشير مراجعة علمية منشورة عام 2025 في دورية Food Chemistry: X إلى أن تسخين الزيوت النباتية المتكرر قد يؤدي إلى تكوين ألدهيدات ضارة، بعضها ارتبط في الدراسات بتأثيرات سلبية على الصحة، مع اختلاف مستوى الخطر بحسب ظروف الاستخدام والتعرض.

كيف تدخل الزيوت المستعملة في دائرة الغش؟

وتبدأ المشكلة عندما تخرج كميات كبيرة من زيوت القلي المستعملة من المطاعم ومحال الأطعمة، لتدخل في عمليات جمع وتداول لا تخضع للرقابة الكافية.

وتكمن الخطورة في احتمال بيع هذه الزيوت إلى جهات غير مرخصة، أو إعادة استخدامها في أنشطة غذائية بالمخالفة للاشتراطات، بدلًا من توجيهها إلى مصانع متخصصة تستخدمها في إنتاج الصابون والمنظفات والوقود الحيوي وغيرها من المنتجات الصناعية.

وتكمن إحدى الثغرات في صعوبة تتبع الزيت بعد خروجه من المنشأة الغذائية، خصوصًا عندما تتم عمليات الجمع والنقل والتخزين بعيدًا عن الشركات المسجلة والمنظومة الرسمية.

وكانت وزارة البيئة قد أكدت ضرورة إحكام الرقابة على عمليات جمع ونقل وتخزين الزيوت المستعملة، والتأكد من وصولها إلى مصانع إعادة التدوير المرخصة، مع إنشاء سجلات لتتبع الكميات الواردة إلى تلك المصانع.

ما مخاطر تناول الطعام المطهو بزيوت متدهورة؟

لا تتعلق المشكلة بمجرد تغير طعم الطعام أو رائحته، وإنما بوجود نواتج كيميائية تتكون مع الاستخدام المتكرر للزيت.

ومن أبرز المخاطر الصحية المحتملة:

- زيادة التعرض لمركبات الأكسدة التي قد تسبب إجهادًا تأكسديًا للخلايا.

- التعرض لبعض الألدهيدات الناتجة عن التسخين المتكرر.

- احتمالات حدوث تأثيرات التهابية واضطرابات صحية مع التعرض المزمن لبعض المركبات الضارة.

- تراجع جودة الغذاء وارتفاع احتمالات انتقال نواتج تحلل الزيت إلى الطعام.

وتشير الأبحاث إلى وجود ارتباطات بين بعض نواتج تسخين الزيوت والمخاطر الصحية طويلة الأمد، لكن لا يصح اعتبار تناول وجبة واحدة مطهية بزيت مستعمل دليلًا على الإصابة بمرض بعينه.

ماذا تقول الجهات الرقابية في مصر؟

ولم تترك الدولة ملف الزيوت المستعملة دون تنظيم؛ إذ صدرت قرارات تستهدف إحكام السيطرة على عمليات تداولها ومنع عودتها إلى الاستخدام الغذائي بصورة غير آمنة.

ومن أبرز الإجراءات:

1. قرار الهيئة القومية لسلامة الغذاء رقم 1 لسنة 2023

وضع القرار آلية للتعامل مع الزيوت والدهون والشحوم الغذائية المستعملة ومخاليطها ومخلفاتها المستخدمة في إنتاج الغذاء، وحدد ضوابط التعامل معها عند تجاوز الحدود المقررة.

2. تنظيم تراخيص تداول الزيوت المستعملة

أعلنت وزارة البيئة في أغسطس 2025 تنظيم إصدار التراخيص والتصاريح الخاصة بجمع ونقل وتخزين وتصدير زيوت الطعام المستعملة، من خلال جهاز تنظيم إدارة المخلفات.

وشملت الضوابط ضرورة تعامل شركات الجمع والنقل مع المصانع الرسمية المرخصة، والتأكد من وصول الزيوت إليها، مع إنشاء سجلات لتتبع الكميات التي تستقبلها المصانع.

3. تحذيرات من إعادة الزيوت إلى الاستهلاك الآدمي

وفي ديسمبر 2025، نفت الهيئة القومية لسلامة الغذاء صحة المزاعم المتداولة بشأن إمكانية تحويل زيوت القلي المستعملة الناتجة عن المطاعم والمصانع الغذائية إلى زبدة أو دهون صالحة للاستهلاك الآدمي، مؤكدة أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلة علمية أو تحاليل معتمدة.

كيف تكتشف أن المطعم يستخدم زيتًا متدهورًا؟

وهناك مؤشرات قد تثير الشك في جودة زيت القلي داخل المطاعم، من بينها:

- اللون الداكن بصورة غير معتادة مقارنة بنوع الزيت ومدة استخدامه.

- تصاعد دخان كثيف عند درجات حرارة القلي المعتادة.

- ظهور رائحة زنخة أو نفاذة.

- تكوّن رغوة مستمرة على سطح الزيت.

- تغير واضح في طعم الطعام أو اكتسابه رائحة غير طبيعية.

لكن هذه العلامات ليست اختبارًا قاطعًا لصلاحية الزيت، كما أن اللون وحده لا يكفي للحكم عليه؛ فالتقييم المهني يحتاج إلى قياسات فنية ومؤشرات معتمدة لجودة الزيت.

من المسؤول عن مواجهة تجارة الزيوت المستعملة؟

وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة تعاونًا بين عدة جهات، في مقدمتها الهيئة القومية لسلامة الغذاء وجهاز تنظيم إدارة المخلفات ووزارة التموين والأجهزة الرقابية بالمحافظات.

وتتمثل أهم الإجراءات المطلوبة في:

- تكثيف حملات التفتيش على المطاعم ومحال الوجبات السريعة.

- متابعة التخلص من زيوت القلي المستعملة وعدم السماح بإعادة استخدامها غذائيًا بالمخالفة للقواعد.

- مراقبة شركات جمع ونقل الزيوت والتأكد من امتلاكها التراخيص اللازمة.

- تتبع حركة الزيوت من المطاعم حتى وصولها إلى مصانع إعادة التدوير.

- اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المنشآت التي تستخدم زيوتًا غير صالحة أو تتلاعب في تداولها.

سابعًا: هل يمكن الاستفادة من الزيوت المستعملة دون تهديد صحة المواطنين؟

الإجابة نعم، فإعادة تدوير زيوت الطعام المستعملة ليست جريمة في حد ذاتها، بل تمثل نشاطًا اقتصاديًا وبيئيًا مهمًا، بشرط عدم إعادتها إلى الغذاء.

ومن أبرز الاستخدامات الصناعية الآمنة التي تخضع للمعالجة والاشتراطات الفنية:

- إنتاج الوقود الحيوي.

- صناعة الصابون والمنظفات.

- بعض الصناعات الكيميائية.

- إنتاج الجلسرين ومشتقاته وفق عمليات التصنيع المعتمدة.

وتعمل وزارة البيئة على تطوير منظومة متكاملة للاستفادة من هذه المخلفات، بما يحقق عوائد اقتصادية ويحد من التلوث الناتج عن التخلص العشوائي منها.

هل تتحول زيوت القلي إلى تهديد لصحة المصريين؟

تظل زيوت القلي المستعملة أحد الملفات التي تحتاج إلى رقابة مستمرة، ليس فقط داخل المطاعم، ولكن أيضًا خلال مراحل الجمع والنقل والتخزين وإعادة التدوير؛ فالمشكلة ليست في إعادة تدوير الزيت للاستفادة منه صناعيًا، وإنما في احتمال تسريبه إلى الأسواق وإعادته إلى دائرة الغذاء بصورة غير آمنة.

وبين المكاسب الاقتصادية لصناعة تدوير الزيوت ومخاطر تداولها بصورة غير مشروعة، تظل حماية المستهلك مرهونة بقدرة الجهات الرقابية على إحكام التتبع، ومحاسبة المخالفين، وضمان عدم عودة الزيوت المتدهورة إلى موائد المصريين.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً