عاد ملف استرداد الآثار المصرية الموجودة في المتاحف الغربية إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد تحرك مصر لاستعادة رفات الكاهن المصري القديم «نخت»، المحفوظة داخل متحف كيلفينغروف للفنون بمدينة جلاسكو الاسكتلندية، في تطور جديد يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مصير آلاف القطع الأثرية والمومياوات المصرية الموجودة خارج البلاد.
وتأتي هذه الخطوة بعدما قررت إدارة المتحف إزالة رفات الكاهن من قاعات العرض أمام الجمهور، بدعوى عدم وجود موافقة موثقة من المتوفى أو أحفاده على عرض رفاته، وهو ما أعاد الجدل حول المعايير الأخلاقية التي تتبناها المتاحف الغربية في التعامل مع المومياوات البشرية، وحقوق الدول الأصلية في المطالبة باستعادتها.
وبينما بدأت القاهرة تحركاتها لاستعادة «نخت»، لا تزال إجراءات الإعادة في مراحلها الأولية، وسط ترقب لما ستسفر عنه الاتصالات مع الجانب الاسكتلندي.
من هو الكاهن المصري القديم «نخت»؟
يعود تاريخ الكاهن «نخت» إلى نحو 4 آلاف عام، إذ تشير التقديرات التاريخية إلى أنه عاش خلال الفترة ما بين عامي 1985 و1797 قبل الميلاد، خلال عصر الدولة الوسطى في مصر القديمة.
وعُثر على رفاته خلال أعمال التنقيب الأثري بمنطقة بني حسن في محافظة المنيا، خلال الحفائر التي شهدها مطلع القرن العشرين، قبل أن تنتقل إلى مدينة غلاسكو الاسكتلندية، حيث أُهديت إلى المدينة عام 1923.
واحتفظ متحف كيلفينغروف برفات الكاهن داخل تابوت مزخرف، وعُرضت ضمن مقتنياته الخاصة بالحضارة المصرية القديمة، لتصبح واحدة من الشواهد الأثرية التي تعكس تاريخ مصر وحضارتها خارج حدودها.
لماذا أخفى متحف غلاسكو مومياء الكاهن «نخت»؟
في أكتوبر 2026، اتخذت إدارة متحف كيلفينغروف قرارًا بإزالة رفات الكاهن «نخت» من العرض العام، واستبدالها بلافتة توضيحية تفيد بإزالة الرفات البشرية من المعرض احترامًا للمتوفين.
وبررت مؤسسة «غلاسكو لايف»، المسؤولة عن تشغيل المتحف، القرار بعدم وجود موافقة موثقة ومستنيرة من الشخص المتوفى أو أحفاده على عرض رفاته أمام الجمهور، مؤكدة أن احترام كرامة الموتى أصبح جزءًا أساسيًا من السياسات الحديثة للمؤسسات المتحفية.
ولم يقتصر القرار على الكاهن «نخت»، إذ شمل أيضًا إزالة رأس محنط وقدم يمنى ويد يمنى لمومياوات مصرية عُثر عليها في منطقة وادي الملوك بالأقصر، ضمن مراجعة شاملة لسياسات عرض الرفات البشرية.
مصر تتحرك رسميًا لاستعادة رفات الكاهن نخت
عقب قرار إزالة الرفات من قاعات العرض، تحركت مصر لفتح ملف استعادتها، حيث أكدت مؤسسة «غلاسكو لايف» تلقيها طلبًا لإعادة رفات الكاهن المصري إلى موطنه الأصلي.
وأوضحت المؤسسة أن مدينة غلاسكو لديها إجراءات معتمدة للتعامل مع طلبات الاسترداد، وأنها ستتبع المسار القانوني والإداري المحدد لدراسة الطلب وتحديد الخطوات المقبلة.
وفي أحدث تطورات الملف، أكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، أن هناك اتصالات وإجراءات يجري العمل عليها بشأن استعادة رفات «نخت»، موضحًا أن المفاوضات لا تزال في مراحلها الأولية، وأن مثل هذه الملفات ليست سهلة أو مباشرة، وأن تطورات الاتصالات ستحدد الخطوات المقبلة.
وبذلك لم تُحسم عودة رفات الكاهن إلى القاهرة حتى الآن، وإنما دخل الملف مرحلة التحرك والتفاوض الرسمي.
معركة استرداد الآثار المصرية من المتاحف الغربية
ولا تنفصل قضية الكاهن «نخت» عن ملف أوسع يتعلق بمطالبات مصر باستعادة آثارها الموجودة في المتاحف والمؤسسات الأجنبية، خاصة أن عددًا من المقتنيات المصرية انتقل إلى الخارج خلال فترات التنقيب الأثري في القرنين التاسع عشر والعشرين، وفق ظروف قانونية وتاريخية مختلفة.
وتواجه مطالبات الاسترداد تحديات متعددة، أبرزها إثبات ملكية القطع وأماكن العثور عليها، ومراجعة الوثائق التاريخية الخاصة بانتقالها، فضلًا عن القوانين التي تحكم المجموعات المتحفية في الدول التي توجد بها هذه الآثار.
وتختلف الإجراءات من متحف إلى آخر؛ فبعض المؤسسات تمتلك صلاحيات إدارية تسمح بدراسة طلبات الإعادة، بينما تخضع مجموعات أخرى لتشريعات وطنية تفرض قيودًا على نقل الملكية أو التنازل عن المقتنيات.
مومياء «أسرو» في مانشستر.. هل تتكرر المطالبات المصرية؟
وامتدت مراجعات المتاحف البريطانية للتعامل مع المومياوات المصرية إلى مدينة مانشستر، حيث سبق أن أزال متحف مانشستر مومياء مصرية تُعرف باسم «أسرو» من العرض العام، وأعادها إلى مخازنه داخل تابوتها الخارجي، مع الإبقاء على التابوت مغلقًا.
وأثار هذا التوجه نقاشًا بشأن مصير المومياوات المصرية الموجودة في المتاحف البريطانية، ومدى إمكانية فتح ملفات استرداد جديدة، خاصة في ظل تغير المعايير الأخلاقية المتعلقة بعرض الرفات البشرية.
كما شهدت مدينة غلاسكو نفسها تطورات مشابهة، بعدما قرر متحف هانتريان تغطية التابوت المفتوح الذي يضم رفات السيدة المصرية «شيب إن هور»، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2500 عام، مع استمرار عرض التابوت أمام الجمهور.
المتحف المصري الكبير يعزز فرص استعادة الآثار المصرية
وتأتي التحركات المصرية لاستعادة رفات «نخت» في وقت تمتلك فيه مصر بنية متحفية وأثرية متطورة، خاصة بعد افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي يضم عشرات الآلاف من القطع الأثرية، ويقدم تجربة متحفية متكاملة لعرض الحضارة المصرية القديمة.
كما يمثل المتحف القومي للحضارة المصرية أحد المؤسسات المتخصصة في حفظ وعرض المومياوات الملكية، وفق ضوابط علمية ومتحفية متقدمة، وهو ما يعكس الإمكانات المصرية في التعامل مع الرفات البشرية وصونها.
وتمنح هذه المؤسسات مصر إمكانات مهمة عند طرح مطالبات استعادة المقتنيات الأثرية، من خلال التأكيد على توافر الخبرات الفنية والعلمية والبنية التحتية اللازمة للحفظ والعرض، مع ضرورة دراسة كل حالة وفق ظروفها التاريخية والقانونية.
هل يعود الكاهن نخت إلى أرض مصر؟
تظل عودة الكاهن المصري القديم «نخت» إلى القاهرة مرتبطة بنتائج الإجراءات الرسمية والتفاوض مع الجهات الاسكتلندية، خاصة أن مؤسسة «غلاسكو لايف» أكدت امتلاك المدينة مسارًا مؤسسيًا لدراسة طلبات الاسترداد، بما يشمل مراجعة الجوانب القانونية والأخلاقية والتاريخية.
وتتجاوز أهمية هذه القضية مجرد استعادة رفات أثرية، إذ تفتح نقاشًا دوليًا حول كيفية التعامل مع المومياوات البشرية، والحدود الفاصلة بين حق المتاحف في الاحتفاظ بمقتنياتها وحق الدول والمجتمعات الأصلية في المطالبة باستعادتها.
وبين غلاسكو والقاهرة، ينتظر الكاهن «نخت» حسم رحلته الأخيرة إلى موطنه الأصلي، في قضية قد تمثل محطة جديدة في مسار استرداد التراث المصري الموجود بالخارج، لكنها لا تزال حتى الآن في إطار المطالبات والإجراءات الأولية، دون إعلان رسمي عن موعد أو قرار نهائي بعودته.