لم يكن فجر اليوم يحمل شيئًا غير معتاد، لكن الطريق الدولي الساحلي كان يخبّئ أصعب لحظة عاشتها البحيرة منذ شهور. في ثوانٍ معدودة، انطفأت حياة أسرة كاملة، وكأن القدر جمعهم من جديد ليغادروا الدنيا يدًا في يد، كما اعتادوا أن يعيشوها، خمسة أرواح خرجت معًا، لترسم واحدة من أكثر القصص ألمًا ووجعًا، قصة تُبكي حتى من لا يعرفهم، وتترك خلفها سؤالًا واحدًا يعجز الجميع عن إجابته:
كيف يُمكن لحادث واحد أن يختطف بيتًا كاملًا في لحظة؟
فعلى الطريق الدولي الساحلي، وتحديدًا أمام قرية الكريون بمركز كفر الدوار، توقفت الحياة عند لحظة واحدة لا تتجاوز ثوانٍ، لكنها كانت كفيلة بأن تُنهي حكاية أسرة كاملة عاشت عمرها في حب وتماسك، ورحلت كما عاشت.. معًا.
قبل الحادث بلحظات.. رحلة عادية تحوّلت إلى مأساة
لم يكن أمير محمد عطية كمون، المهندس الميكانيكي ذو الـ45 عامًا، يتخيل أن رحلته العائلية البسيطة ستتحول إلى آخر مشاهد حياته، كان يجلس خلف المقود، وزوجته رضوى محمد فرج، الطبيبة البيطرية صاحبة الابتسامة الهادئة، بجواره، في المقاعد الخلفية جلس أطفالهم الثلاثة: أسر، وأمير الصغير، ومحمد.. ثلاثة قلوب صغيرة لم تعرف من الدنيا سوى دفء البيت وأمان الأب والأم.
كانت الأسرة المقيمة في مدينة رشيد في طريق عودتها، بحسب أقاربهم، بعد يوم عادي تمامًا، لا شيء كان ينذر بأن النهاية تقترب.
الانحراف الأخير.. ثوانٍ سبقت الكارثة
بحسب المعاينة الأمنية، اختلت عجلة القيادة بيد الأب أثناء نزوله من أعلى الكوبري بالطريق الدولي الساحلي، السيارة فقدت اتزانها، انحرفت بعنف، وارتطمت بالحاجز الخرساني قبل أن تنقلب.
في لحظة واحدة، توقفت أصوات الأطفال، وتحول ضحكهم لسكوت أبدي، سيارة الإسعاف التي وصلت سريعًا لم تحمل مصابين يحتاجون لإنقاذ، بل حملت خمسة جثامين خرجت أرواحهم قبل وصول النجدة.
في مستشفى كفر الدوار العام، كانت الثلاجة تتسع لجثامين خمسة أفراد من بيت واحد. لحظة وصول الأقارب كانت الأصعب؛ صرخات لا يمكن وصفها، وأدعيات تُقال بمرارة، وأسماء الأطفال الثلاثة تتردد بالدموع:
«أسر… أمير… محمد…»
وكأن القلوب ترفض تصديق أن هذا هو الوداع الأخير.
اليوم صمت المنزل، وانطفأت أنوار الشقة التي كانت تشتعل بالحياة، ثلاثة ألعاب أطفال مازالت مُلقاة في أحد الأركان.. في انتظار أصحابها.
وداعٌ واحد.. جنازة واحدة لخمسة ملائكة
يستعد أهالي رشيد لتشييع جثامين الأسرة في جنازة ستجمعهم للمرة الأخيرة، لا أحد يعرف ماذا سيقولون للأرض التي ستحتضن خمسة قبور دفعة واحدة، ولا أحد يعرف كيف سيستوعب الناس رحيل أسرة كانت تجسد المعنى الحقيقي للدفء والطمأنينة.
أسئلة بلا إجابات.. وجرح لن يلتئم سريعًا
الحادث مازال قيد التحقيق، لكن الحقيقة المؤكدة أن الأمور لم تعد كما كانت، الطريق الذي شهد المأساة أصبح شاهدًا عليها، والبلدة كلها تعيش صدمة الرحيل المفاجئ.
ورغم أن الموت قاسٍ، إلا أن فكرة رحيل الجميع معًا تركت شيئًا من السلوى في قلوب البعض؛ لم يُترك أحد خلف الآخر.. ولم يُكمل أحد الحياة وهو يبحث عن الباقين، رحلوا في لحظة واحدة، وكأن القدر أراد لهم أن يظلوا عائلة حتى في النهاية.