في مشهد يتكرر تحت جنح الظلام، تتحول أشجار الكافور المعمّرة بشارع المعاهدة على طريق 'الزقازيق الإسماعيلية الزراعي' إلى كتل من اللهب، قبل أن تسقط واحدة تلو الأخرى، وكأنها تُعدم بقرار خفي لا يعلم أحد مصدره.
فيديو تم تصويره قبل ساعات يرصد اشتعال النيران في إحدى الأشجار التاريخية، وسط صمت مريب، بينما تتصاعد ألسنة اللهب في جذع شجرة تجاوز عمرها المائة عام، كانت حتى وقت قريب تحمل رقماً تعريفياً باعتبارها من الأشجار التاريخية المسجلة لدى جهات الدولة المختصة بالبيئة والري.
سيناريو الحرق المتعمد
صور حريق أشجار بالاسماعيليه
بحسب شهادات عدد من الأهالي، فإن السيناريو يتكرر بنفس الطريقة: تُشعل النيران ليلًا في جذع الشجرة، وتُترك لتأكل قلبها الداخلي ببطء، وبعد أيام، تسقط الشجرة أو تصبح آيلة للسقوط، لتظهر معدات التقطيع فجراً، ويتم تقطيعها ونقلها سريعاً قبل أن يلتفت أحد.
مصادر محلية تؤكد أن ثمن الشجرة الواحدة من الكافور قد يتراوح بين 40 إلى 60 ألف جنيه، بينما يُباع طن الخشب بنحو 3 آلاف جنيه، ما يجعلها تجارة مربحة تُغري ضعاف النفوس، وتفتح الباب أمام شبهة وجود شبكة منظمة تعمل بشكل دوري.
السؤال الأخطر: من يقف خلف الحريق المتكرر؟
صور حريق أشجار بالاسماعيليه
لم يعد الأمر حادثًا فرديًا أو واقعة عابرة، بل نمطًا متكرراً يطرح تساؤلات حادة: من يضرم النار في الأشجار بشكل منتظم؟
ومن يوفر الغطاء لهذه العمليات الليلية؟
وكيف يتم تقطيع ونقل الأخشاب دون رصد أو مساءلة؟
الأخطر أن هذه الأشجار ليست مجرد غطاء أخضر، بل أشجار تاريخية تجاوز عمر بعضها قرناً من الزمان، وكانت تحمل أرقاماً تعريفية باعتبارها ضمن الأشجار ذات القيمة البيئية والتراثية، ما يعني أن ما يحدث لا يمثل فقط جريمة بيئية، بل اعتداءً على إرث طبيعي عمره مئة عام.
خسارة بيئية تتجاوز حدود الإسماعيلية
صور حريق أشجار بالاسماعيليه
ما يحدث في الإسماعيلية ليس معزولًا عن المشهد العام، فبحسب بيانات مرصد الغابات العالمي، فقدت مصر خلال الفترة من 2013 وحتى 2023 قرابة خمسة ملايين و60 ألف متر مربع من المساحات الخضراء والغطاء الشجري، بما يعادل انخفاضًا في الغطاء الشجري بنسبة 0.33% منذ عام 2000.
صور حريق أشجار بالاسماعيليه
وتُقدر هذه الخسارة بما يعادل 121 كيلو طن من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، نتيجة إزالة الأشجار والتوسع العمراني والتصحر والإنتاج الصناعي والتجاري.
كما ساهمت التنمية العمرانية وحدها منذ 2013 وحتى 2023 في إزالة نحو مليون و660 ألف متر مربع من الأشجار والمساحات الخضراء، أي ما يقارب 33% من إجمالي الفاقد خلال تلك الفترة.
لكن الفرق هنا أن ما يحدث على طريق 'الزقازيق – الإسماعيلية الزراعي' لا يبدو تنمية عمرانية، بل شبهة إضرام نار متعمد تمهيدًا لنهب الأخشاب.
أشجار الكافور… ذاكرة الطريق
أشجار الكافور التي تصطف على جانبي الطريق ليست مجرد نباتات ظل، بل حائط صد طبيعي ضد العواصف الترابية، ومصدات رياح، ومتنفس بيئي يحمي المنطقة من ارتفاع درجات الحرارة والتلوث. اقتلاعها يعني اختلالاً بيئياً واضحاً، وتدميراً لمنظر حضاري ظل قائماً لعقود.
مطالب عاجلة
صور حريق أشجار بالاسماعيليه
ما يحدث يستوجب تحركًا فوريًا يشمل:فتح تحقيق عاجل في وقائع الحرق المتكرر.
مراجعة سجلات الأشجار المرقمة وحصر ما تم فقده. تركيب كاميرات مراقبة على امتداد الطريق.
إحالة المتورطين أياً كانوا إلى النيابة بتهمة الإضرار العمدي بالثروة الشجرية.
فالأشجار التي تُحرق ليلًا ليست مجرد خشب يُباع بالطن، بل تاريخ يُحرق، وهواء يُلوث، وحق أجيال يُسلب.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تتحرك الجهات المعنية قبل أن يتحول الطريق الزراعي إلى مساحة جرداء خالية من ذاكرته الخضراء؟