على طريق القاهرة الاسكندرية الزراعي، حيث لا تتوقف ضوضاء المحركات ولا يهدأ الزحام، هناك لحظات فارقة تفصل بين الموت والحياة، وبين الطمع والشرف، في تلك المنطقة بالقرب من "التوفيقية"، لم يكن "عادل" و"أسامة" مجرد موظفين يؤدون وردية عمل روتينية، بل كانوا على موعد مع اختبار للضمير، أثمن بكثير من أي مبلغ مالي.
بدأ المشهد ببلاغ اعتيادي عن حادث تصادم، صرخة معدنية، وتحطم زجاج، ومصاب يصارع الموت وسط الركام، وصل طاقم الإسعاف المكون من عادل نصير (مساعد أخصائي) وأسامة حسبو (سائق السيارة)، في تلك اللحظة، لم تكن أعينهم ترى سوى النبض والجروح، تسابقوا مع الزمن، قدموا الإسعافات الأولية، وحملوا المصاب إلى "العربة البيضاء" لتبدأ رحلة الهروب نحو المستشفى.
بينما كان "عادل" يطمئن على استقرار حالة المصاب، وأثناء "جرد" متعلقاته لتأمينها "وهو إجراء بروتوكولي" ظهرت المفاجأة، وسط الفوضى والدماء، وجد الطاقم حقيبة تحتوي على "ثروة صغيرة"، ٣٧٠ ألف جنيه نقدًا.
في تلك اللحظة، يسكن ضجيج الطريق، ويبقى صوت الضمير وحده، مبلغ كهذا قد يغير حياة الكثيرين، لكن بالنسبة لـ "جيش مصر الأبيض" على الطرق، كانت هذه الأوراق مجرد "أمانة" لا تختلف في قيمتها عن روح المصاب التي يحاولون إنقاذها.
دون تردد، وبنفس السرعة التي يقود بها أسامة سيارته لإنقاذ الأرواح، اتجه الطاقم لتنفيذ "بروتوكول الشرف"، لم ينتظروا سؤالاً من أحد، بل بادروا بإثبات المبلغ في محضر رسمي وتسليمه للأمانات، ليضمنوا وصول كل "قرش" لذوي المصاب الذين ربما كانوا في تلك اللحظة لا يفكرون إلا في نجاة ابنهم.
"المال يعوض، لكن الأمانة والروح لا يعوضان".. هكذا لسان حال "عادل وأسامة" دون أن ينطقوا بكلمة، هذه الواقعة التي انتشرت كالنار في الهشيم بين سائقي الطريق الزراعي وأهالي البحيرة، لم تكن مجرد خبر عن استرداد مبلغ مالي، بل كانت "حقنة طمأنينة" في جسد المجتمع، وتأكيداً على أن مهنة الإسعاف في مصر ليست مجرد "نقل مرضى"، بل هي صمام أمان للأرواح والممتلكات.
اليوم، حين يمر الناس بجوار وحدة إسعاف التوفيقية، لن يروا فقط سيارة بيضاء بـ "سرينة" عالية، بل سيرون "عادل وأسامة"؛ رمزي الشرف الذين أثبتا أن "الرزق الحلال" وأمانة المهنة هما المكسب الحقيقي في نهاية كل مشوار.