شارك احد أبناء محافظة الأقصر، في برنامج تدريبي دولي رفيع المستوى حول 'بناء القدرات في مجال دبلوماسية المناخ والحوكمة العالمية للدول النامية'، والذي عُقد في جمهورية الصين الشعبية برعاية الحكومة الصينية، بمشاركة 12 دولة، وبتنظيم من 'الأكاديمية الوطنية لإدارة الغابات والمراعي' (NAFGA)، وهي مؤسسة رائدة تأسست عام 1951 كأحد الصروح الأساسية في التدريب الدولي وبناء القدرات، وتهدف إلى تعزيز التعاون العالمي في مجالات الحفاظ على البيئة، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، ومواجهة التغيرات المناخية.
المتابعة
وأوضح الصحفي 'أبو الحسن عبدالستار' أهم المشاهدات الميدانية، والتقنيات البيئية والتنموية، والتحليلات السياسية والاقتصادية التي تضمنتها هذه الدورة التدريبية من قلب التجربة الصينية.
يقول أبوالحسن، إن لدى الصين تجربة رائدة في مكافحة التصحر؛ وكيف استطاعت الدولة بجهود حثيثة زيادة الرقعة المنزرعة بالغابات من 8% إلى 24% من إجمالي مساحتها الكلية، وهو ما يظهر حجم الإرادة السياسية والتخطيط بعيد المدى، إذ لم يقتصر البرنامج على القاعات المغلقة، بل شمل زيارة ميدانية إلى معرض الصين الدولي لسلاسل التوريد (CISCE) في نسخته الرابعة، واطلعنا هناك على أحدث الابتكارات التكنولوجية في مجالات التصنيع الذكي، والزراعة الخضراء، وسلاسل التوريد النظيفة، وكيف تسعى الصين لربط الأسواق العالمية بمرونة واستدامة بيئية فائقة.
القاهرة وبكين.. شراكة استراتيجية في العمل المناخي
أكد عبدالستار أن هذه الدورات التدريبية تجسد الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين مصر والصين، لا سيما في ملفات البيئة والمناخ التي تتقاطع فيها مصالح البلدين كقوى فاعلة في مجتمع الدول النامية، لافتا إلى إن أهمية مشاركة الكوادر المصرية (من صحفيين وباحثين ومتخصصين) في مثل هذه البرامج رفيعة المستوى تكمن في فتح قنوات مباشرة لتبادل الخبرات وتوطين التكنولوجيا البيئية الحديثة في مصر، خاصة في مجالات مكافحة التصحر، والتحول نحو الطاقة النظيفة، وإدارة الموارد المائية الشحيحة.
وأضاف عبدالستار أن مصر تمتلك تجارب رائدة مثل منصة 'نُوَفِّي' والمبادرات الرئاسية لزيادة الرقعة الخضراء، والاطلاع على التجربة الصينية يمنح الكوادر المصرية رؤية أعمق حول كيفية صياغة خطط الدبلوماسية المناخية في المفاوضات الدولية لحماية المصالح الوطنية، وتحويل التحديات البيئية الميدانية في مجتمعاتنا المحلية (كصعيد مصر والدلتا) إلى مشاريع تنموية مستدامة تعتمد على حلول مبتكرة ومنخفضة الكلفة.
دونهوانغ.. واحة التاريخ وتكنولوجيا الملح المنصهر
وانتقل عبدالستار إلى محطة التدريب الأبرز في مدينة 'دونهوانغ' الأثرية الواقعة عند الحافة الشرقية لصحراء كومتاج، والتي تبعد عن العاصمة نحو 2000 كيلومتر، ففي دونهوانغ، التقت عراقة التاريخ التي تمتد لأكثر من 2100 عام بتكنولوجيا البيئة الحديثة. على الصعيد التكنولوجي، عاينّا محطة الطاقة الشمسية الحرارية المبتكرة التي تعتمد على تقنية الملح المنصهر. وتضم المحطة أكثر من 12 ألف مرآة ذكية تتبع الشمس بدقة لتوجيه الضوء نحو برج مركزي يحوي خزانات الملح، حيث ترتفع الحرارة إلى 600 درجة مئوية؛ مما يتيح توليد كهرباء مستقرة وثابتة على مدار 24 ساعة (حتى خلال الليل) دون بطاريات مكلفة، وبإنتاج سنوي ضخم يضخ مباشرة في شبكة الكهرباء الوطنية.
وأشار عبدالستار إلى أن مدينة دونهوانغ، الملقبة ببلدة 'الحوريات الطائرات'، تضم إرثا تاريخيا عظيما يضم ثلاثة مواقع مسجلة لدى اليونسكو، أبرزها 'كهوف موغاو' وموقع 'شوانتشوان تشي' الأثري، كما قد حظينا بفرصة مشاهدة عرض فني مذهل وظف تقنية 'الهولوغرام' ليروي حضارة طريق الحرير، وكان من اللافت جداً استهلال لوحاته بالحديث عن أواصر الاتصال التاريخي مع الحضارة المصرية القديمة.
مختبرات الصحراء ومحاكاة الاحتباس الحراري
وحول تقنيات مكافحة التصحر وتثبيت التربة التي شملها التدريب عملياً، أوضح أبوالحسن: تعرفنا على أرض الواقع على نظام إحداثيات مكاني يشرف عليه فريق بحثي برئاسة البروفيسور 'لي'، يعتمد على تقسيم المساحات إلى مربعات (متر في متر) عبر شبكة أسلاك، لتتبع حركة بذور النباتات وكثافتها تحت تأثير عوامل متباينة كالري والملوحة.
ويضم المشروع غرفاً أوتوماتيكية ذكية مزودة بمحطات أرصاد مصغرة متصلة ببكين، تعمل كبيئات محاكاة ترفع درجات الحرارة اصطناعياً بمقدار درجة مئوية واحدة؛ للتنبؤ بمدى تأثر الأنظمة النباتية مستقبلاً بالاحتباس الحراري.
وتابع عبدالستار: 'تعرفنا أيضاً على شجرة 'الحور الفراتي' المحمية، والتي تلعب دوراً حيوياً في منع انجراف التربة، ويُلخص المأثور الصيني قدرتها الفائقة على الصمود في مقولة: تعيش لألف عام، وعندما تموت لا تسقط لألف عام، وبعد أن تسقط لا تتعفن لألف عام أخرى'.
كلفة التنمية ومفهوم 'الحضارة الإيكولوجية'
وفي تحليله للتحولات التنموية التي ناقشها البرنامج، أشار أبوالحسن إلى أن الصعود الاقتصادي في مسيرة الصين في مكافحة الفقر منذ انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978 وصولاً لاستراتيجية 'التخفيف الموجه' الحالية، إذ كلف هذا التحول الصناعي لـ 'مصنع العالم' كلفة بيئية باهظة وتلوثاً حاداً. ولمواجهة هذا التحدي، قادت الإدارة الصينية منذ عام 2012 تحولاً حازماً نحو مفهوم 'الحضارة الإيكولوجية'، معتبرة أن البيئة النظيفة هي 'الجبل الذهبي' للبلاد. وبفضل الإدارة المركزية الصارمة، نجحت الصين في خفض الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التلوث البيئي لتصل لما بين 3.5% و4% بحلول عام 2025، وتمكنت أغلب المدن من تلبية معايير جودة الهواء المطلوبة.
وأضاف أبوالحسن أن الصين باتت تدافع عن تبني الدول النامية لأهداف خفض انبعاثات 'نسبية' (مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي) بدلاً من الأهداف المطلقة؛ لحماية حق هذه الدول في التصنيع العادل والتنمية المستدامة، مؤكداً أن الدورة قدّمت نموذجاً حياً لكيفية تطويع التكنولوجيا والسياسات لحماية مستقبل الأرض.


الأقصري




الأقصري