لم تكن غادة، صاحبة الثلاثين عاماً، تواجه معركة واحدة في حياتها؛ فبينما كان السرطان ينهش جسدها، كانت تضطر إلى الخروج للعمل باليومية في مصانع البرتقال والمجمدات لتوفير احتياجات طفلتيها 'جنى' و'جودي'، كانت تعرف أن المرض يثقل خطواتها، وأن الحياة لا تمنحها رفاهية التوقف، فهناك طفلتان تنتظران عودتها وما تحمله معها من أجر يومها، ولذلك واصلت العمل ورعاية ابنتيها رغم ظروفها الصحية والمعيشية الصعبة.
لكن المرأه التي اعتادت ان تقاوم المرض من أجل ابنتيها، لم تكن تعرف أن يوماُ آخر سيضعها أمام نهاية مختلفة تماما، ذهبت إلى مكتب محام بمنطقة المنشية في الإسكندرية للقاء طليقها، في محاولة للوصول إلى حل للخلافات التي بقيت بينهما بعد الطلاق، وكان من بينها مسائل متعلقة بالنفقة، إلا أن جلسة الصلح التي كان يفترض أن تنهي خلافا قديماً أصبحت آخر لقاء في حياتها معه.
زواج بدأ مبكرًا وانتهى بعد 14 عامًا
كانت تزوجت غادة من ابن عمتها وهي في الصف الثالث الإعدادي، واستمر الزواج نحو 14 عامًا، أنجبا خلالها طفلتيهما.
وبحسب أسرتها، شهدت الحياة الزوجية خلافات متكررة، من بينها تعديات عليها وعدم تحمل طليقها لنفقات الأسرة، حتى انتهى الأمر بالطلاق قبل نحو عام ونصف، إلا أن الانفصال لم يضع حداً للخلافات التي ظلت ممتدة بينهما.
بعد الطلاق، وبحسب رواية الأسرة، حاول طليقها إعادتها إلى عصمته، لكنها رفضت، واستمرت المشادات بينهما، ولم يكن طليقها شخصًا بعيداً عن محيطها العائلي، ذلك الأمر الذي جعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدا؛ فالرجل الذي كان زوجها وأبا لطفلتيها ظل أيضًا قريبا من عائلتها، قبل أن تنتهي العلاقة بهذه المأساة.
لقاء للصلح انتهى بكارثة
داخل مكتب المحامي، جلس الطرفان لمناقشة الخلافات العالقة بينهما، وكان الأمل أن ينتهي اللقاء بتسوية تعيد الهدوء إلى حياتهما، خصوصا فيما يتعلق بالنفقة والالتزامات تجاه طفلتيهما، ووفقًا لرواية الأسرة، قال طليقها للمحامي: 'سيبنا إحنا نتصالح مع بعض'، فتركهما بمفردهما، قبل أن تمر نحو ساعتين لم يكن أحد يعرف خلالهما ما يدور خلف باب المكتب.
عندما عاد المحامي، لم يجد أمامه مشهداً يشبه جلسة الصلح التي تركها، وإنما وجد أن اللقاء انتهى بمقتل غادة داخل المكتب.
وهكذا انتهت محاولة التفاهم بين الطرفين إلى جريمة، لتجد الأسرة نفسها أمام حقيقة لم تكن تتوقعها عندما ذهبت ابنتهم إلى الإسكندرية للقاء طليقها.
الأسرة ذهبت على خبر "حادث" فاكتشفت الحقيقة
لم تصل الصدمة إلى الأسرة دفعة واحدة؛ ففي البداية أُبلغ أفرادها بأن غادة توفيت في حادث، فتحركوا إلى المكان وهم يعتقدون أنهم أمام وفاة مؤلمة لابنتهم، قبل أن يكتشفوا أن ما حدث لم يكن حادثا على الإطلاق، وأن ابنتهم لقيت مصرعها داخل مكتب المحامي، والمتهم في الواقعة هو طليقها.
كان وقع الحقيقة أكثر قسوة من الخبر الأول؛ فالأمر لم يعد مجرد وفاة مفاجئة لامرأة في الثلاثين من عمرها، وإنما جريمة قتل طالت أما لطفلتين، كانت حتى وقت قريب تقاوم السرطان وتخرج للعمل لتوفر لهما احتياجاتهما.
وفوق صدمة الجريمة، وجدت الأسرة نفسها أمام سؤال آخر أكثر قسوة: كيف يمكن إخبار والدتها بأن ابنتها لم تمت في حادث، وإنما قتلت؟
الأم التي لا تعرف كيف ماتت ابنتها
حتى الآن، لا تعرف والدة غادة الحقيقة، أخبرتها الأسرة أن ابنتها توفيت في حادث، وقررت أن تحتفظ بتفاصيل الجريمة بعيداُ عنها خوفاُ من أن تؤدي الصدمة إلى إصابتها بمكروه.
وبذلك أصبحت الأم تعيش حزن فقد ابنتها من دون أن تعرف الطريقة التي فقدتها بها، بينما تحمل الأسرة وحدها التفاصيل التي اختارت ألا تصل إليها.
الأصعب أن غادة لم تكن مجرد ابنة بالنسبة لوالدتها؛ كانت أما لطفلتين، وامرأة ظلت تقاوم المرض وتعمل لتوفير نفقات ابنتيها. لذلك تخشى الأسرة أن تكون معرفة الحقيقة دفعة واحدة أثقل من قدرتها على الاحتمال، فاختارت أن تتركها أمام رواية الحادث، بينما يعرف أفرادها أن وراء تلك الوفاة قصة أخرى لم تخبر بها حتى الآن.
"جنى" و"جودي".. ما تبقى من حكاية الأم
أما 'جنى' و'جودي'، فقد فقدتا المرأة التي كانت تقاوم على أكثر من جبهة في وقت واحد؛ أمّا تحاول توفير احتياجاتهما، وعاملة تخرج يوميا بحثا عن رزقها، ومريضة تحارب السرطان، قبل أن تنتهي حياتها في لقاء ذهبت إليه بحثًا عن تسوية خلافاتها مع طليقها.
كانت تريد أن تعود إلى ابنتيها بعد انتهاء اللقاء، لكنهما فقدتا الأم التي اعتادتا انتظارها، وفي الوقت الذي تحاول فيه الأسرة التعامل مع تبعات الجريمة، تظل هناك أم أخرى في هذه الحكاية لا تعرف الحقيقة كاملة؛ أم تظن أن ابنتها رحلت في حادث، بينما تعرف الأسرة أنها ذهبت إلى جلسة صلح مع طليقها ولم تعد.