على أرض بورسعيد الباسلة، حيث تتشابك خيوط البطولات مع مآسي الحروب، تظل جبانات بورسعيد القديمة حارسة لأسطورة الصمود المصري. وفي قلب هذه الجبانات، تقف مقبرة تاريخية فريدة استثنائية، ليست مجرد مدافن تقليدية، بل هي 'سِجل حي' يضم رفات 75 شهيداً ارتقوا في ملحمة حرب أكتوبر المجيدة، وتحديداً في 20 و21 أكتوبر 1973، لتخلد أبداً تفاصيل واحدة من أوجع وأشرف صفحات الفداء والبطولة الشعبية والعسكرية.
في حضن التاريخ … 75 شهيداً يكتبون بـمدافن بورسعيد قصة وطن لا يفرق بين أبنائه
حكاية المقبرة التي جمعت الأبطال: "الحاج محمود هدية"
شُيِّدت هذه المقبرة بجهود وطنية خالصة ومبادرة إنسانية من ابن بورسعيد البار 'الحاج محمود عبد المجيد هدية'، الذي أصرّ وأراد أن تضم المقبرة جثامين شهداء القصف والغارات، لتكون مأوى ومقراً لأرواح طاهرة روت بدمائها أرض القناة. وتحمل الجدران والشواهد الحجرية للمقبرة أسماءً خالدة تحكي كل منها قصة ألم وفخر؛ مثل الشهيد محمود السيد أبو عيسي، والشهيد أحمد عبد الحميد عيسى، والشهيد صابر أحمد عبد الرحيم، وغيرهم ممن ارتقوا في أكتوبر المجيد.
في حضن التاريخ … 75 شهيداً يكتبون بـمدافن بورسعيدوفي حديث خاص لـ 'أهل مصر'، روت ابنة الشهيد محمود السيد أبو عيسى أن والدها كان يعمل في تصليح السيارات الخاصة بالقوات المسلحة، ويوم 21 أكتوبر كان موجوداً في حديقة سعد زغلول بجوار قسم شرطة العرب، وأثناء تصليحه لإحدى السيارات تم إطلاق القذائف عليه من غارات العدو وتوفي في الحال. وأضافت أن الحاج محمود هدية صاحب القبر صمم على دفن 75 شهيداً في المدفن الخاص بعائلته، وأن أخته الحاجة هدى كانت تعيش في القاهرة وأوصت بأنه لو وافتها المنية أن تُدفن مع الشهداء في القبر، وبالفعل جاء الجثمان من القاهرة ودفنت بالقبر.
في حضن التاريخ … 75 شهيداً يكتبون بـمدافن بورسعيد قصة وطن لا يفرق بين أبنائه"الهلال بجوار الصليب".. الوحدة الوطنية على شواهد الموت
ما يثير الشجون والاعتزاز داخل هذه المقبرة هو تجسيدها الأسمى لمعنى الوحدة الوطنية؛ فبينما تحيط الشواهد الإسلامية المحفورة بالهلال، يبرز وسطها شاهد قبر مسيحي لجتلمان طاهر: 'الشهيد.. الوالد/ فهدي فهمي جودة، الذي استشهد في 21 أكتوبر 1973'، لترقد أجساد المسلمين والمسيحيين جنباً إلى جنب في ذات المقبرة، كبرهان أبدي على أن رصاص العدو لم يفرّق بين مصري ومصري، وأن دماءهم اختلطت معاً دفاعاً عن تراب الوطن.
شهادات من زمن الحرب: بطولات مدنية تحت قصف الطيران
في شهادة حية ترويها إحدى السيدات من عصر البطولات، تتكشف فصول إنسانية دامية عن ذلك اليوم العصيب قُبيل أذان المغرب، حين استهدفت الغارات الجوية العشوائية تجمعات المواطنين الأبرياء الواقفين أمام المخابز وسط حارات بورسعيد:
'كان زوجي وزوج أخته وآخرون ينقلون الشهداء والجرحى على عربة كارو وسط مناظر مفزعة على الأرض.. كان الدم يسيل من ظهر زوجي ولم يشعر بإصابته من شدة الهول، صارخاً في وجه من حذروه: (مش مهم.. لازم نلحق الناس دي).. ومنهم من استشهد لحظتها ومنهم من رحل على أيام متتالية'.
وتستعرض الشهادة قصصاً بطولية لعائلات بأكاملها ضحت بمستقبلها وهاجرت من أجل البقاء في قلب المعركة؛ حيث تطوع الأب والزوج في القاعدة البحرية بـ 'النش' الخاص به لنقل الأسلحة للفدائيين وحماية الممر المائي، متخلين عن التعليم والهجرة، بينما تطوعت العائلة في الهلال الأحمر، وشارك الأقارب في أعمال الترفيه عن الجنود والمدنيين بأغاني السمسمية الشعبية وسط مدافع الجيش المنتشرة فوق أسطح المنازل.
صون الذاكرة والوفاء للشهداء
تظل مقبرة الـ 75 شهيداً في بورسعيد شاهداً ناطقاً على أن تاريخ هذه المدينة لم يُكتب بالمداد، بل دُوّن بدماء طاهرة لأبطال عسكريين ومدنيين حفروا ببطولاتهم أسماءً لا تمحوها الأيام، لتظل شواهد الرخام والهلال والصليب هناك تروي للأجيال قصة وطن لا ينسى أبناءه.