جلست الأم السبعينية على أريكة قرب مدخل منزلها، تتشح بالسواد، عيناها ذابلتان، تجاعيد وجهها تنم عن حاجة لابن يساندها، تبكي وتستغيث بصوت تكاد تسمعه الآذان، طالبة القصاص، يلتف حولها أفراد عائلتها، لكن هناك من غاب تاركًا حملًا يفوق طاقتها، مات ابنها 'هاني' صريعًا على يد طليق ابنته في الورديان، غرب الإسكندرية، وأمه تقف على حوض منزلها تخفي أثر دماء ضحيته بغسل ملابسه، بدءً من زيجة لم يحضرها أحد من أهل العروس، انتهاءً بإخفاء جثمانه 10 أيام بغرفة منزل المتهم، ثم بشقة مهجورة، قصص تصرع لها الأفئدة من هولها.
زواج بدون موافقة الأهل ومقاطعتها
بداية المأساة كما روتها والدة هاني، المقتول على يد طليق ابنته في منطقة الورديان بالإسكندرية، لـ 'أهل مصر' لم تكن بجريمة القتل، بل بدأت عندما أصرت ابنته 'توتا' على الزواج من شاب تقدم لخطبتها، ورفضه جميع أفراد أسرتها لسوء سمعته، ولكن الابنة ذات الـ 16 عامًا قررت إتمام الزيجة رغمًا عنهم، وكانت نتيجة ذلك أن الجميع تبرأ منها، قاطعتها عائلتها.
أسفرت الزيجة التي لم تكن سعيدة، بحسب والدة 'هاني'، عن إنجاب طفلة، فقد اعتاد الزوج 'المتهم' ضرب زوجته، وما كان منها إلا أن لجأت لأسرتها التي لم تكن ردة فعلهم متوقعة لها، ولكنه كانت طبيعية بالنسبة لهم، فرفضوا مساعدتها أو الوقوف بجوارها، ولم يكن أمامها في هذه الحالة إلا أن تعود طائعة لزوجها.
هروب الزوجة وتهديدات للأب
وتستمر الأم في سرد تفاصيل ما قبل مقتل ابنها بقولها أن الزوج المتهم استمر في ضرب زوجته ومعاملتها بشكل سيء، إلى أن جاء يوم تركت فيه بيتها، هاربة إلى منزل صديقة والدتها في منطقة العامرية، تاركة رضيعتها وحيدة بمنزل الزوجية، وعندما عاد الزوج استشاط غضبًا لتركها ابنتها، وتوقع أن تكون قد ذهبت إلى والدها لتحتمي في أحضانه، لتبدأ بوادر الجريمة.
تقول أم هاني أن ابنها 'الضحية' أكد للمتهم أنه لا يعرف شيء عن ابنته ولم تطأ قدماها بيته، وذلك عندما سأله عنها قبل نحو 45 يومًا من مقتله، ولكنه لم يصدقه ووجه له تهديدات صريحة، ومع بحثه المتواصل عنها علم أنها تقيم في شقة صديقة والدتها في العامرية.
حاول المتهم إقناع حفيدتها بالعودة إلى منزله للاعتناء بابنتها، ولكنها تمسكت بموقفها بعدم العودة، فظن أن تهديدها بإلقاء مادة حارقة 'ماء نار' على وجه أبيها سيحرك ساكنًا بها، ولكن ذلك أثار فزع الضحية الذي هرع إلى أحضان والدته ليأخذ برأيها بما يفعل في ظل تلك التهديدات.
تسترسل أم هاني في حديثها وتقول أنها لم تحمل تلك التهديدات بمحمل الجد، ولكنها نصحت نجلها بإغلاق هاتفه وألا يعير المتهم اهتمامًا، وفي الوقت ذاته رفضت صديقة والدة حفيدتها تسليم 'توتا' لطليقها أو مغادرتها المنزل، ليهددها مجددًا بإلقاء ماء النار على وجه أبيها إذا لم تعود إلى منزلها.
والد المتهم شريكًا في الجريمة
بحسب أم هاني، فإن والد المتهم اتصل هاتفيًا، يوم الجمعة، بالضحية، مدعيًا أن هناك مجموعة رجال مجتمعون في انتظاره من أجل الإصلاح بين الزوج وطليقته، ولأنه متبرءًا من هذه الزيجة ولم يتدخل في أي شيء يتعلق بها، حاول هاني التهرب من هذه الجَمعة، متخذًا انشغاله في بيع الخضروات ذريعة، ولكن الزوج أصر، فخضع الضحية لإلحاحهم.
بجوار سيارة أجرة 'تومناية' كان من المقرر أن تقلهما إلى شقته، حيث الاجتماع، وقف الزوج المتهم متحدثًا إلى ضحيته، الذي شعر بريبة من حركات غير طبيعية ومحاولة الأول إحكام السيطرة على يدي الثاني، ثم وكزه في صدره وهو يقول له: 'انت رجل كبير ومش عايز تحل؟' فحاول التراجع قليلًا إلى الخلف، ولكن طليق ابنته دفعه عنوة إلى داخل السيارة.
قتل وسرقة هاتف محمول و10 آلاف جنيه
وصلت السيارة إلى منزل والد المتهم في الورديان، وكانت قد أقنع الضحية أن 'عصام' خال 'توتا' الزوجة الهاربة، ضمن المتواجدين في هذه الجَمعة، والعكس أيضًا، ولكنه عندما سأل عن خال ابنته، ادعى المتهم كذبًا وجوده بالطابق السفلي من العقار، فاطمأن قليلًا ودخل الشقة، ولكنها وجد أمامه مجموعة مسلحين.
استحوذ المتهم على جل ما بحوذة ضحيته من هاتف محمول ومبلغ قيمته 10 آلاف جنيه، كانوا يتبضع بها، ثم طعنه طعنة نافذة في فخذه أسفرت عن وفاته، ووصل 'عصام' ليسأل عن 'هاني' ولكن بعد فوات الأوان، فأنكر المتهم معرفته بمكان ضحيته التي أغرقت دماءه ملابسه.
كنت بقطع كبده للكلب
سأل عصام عن الدماء التي أغرقت ملابس المتهم، ليرد بـ: 'كنت بقطع كبدة الكلب'، ولولا العناية الإلهية ووساطة أحدهم له، لما كان تركه المتهمون وكانوا قد قضوا عليه أيضًا، ولكنه تمكن من الوصول إلى منزل 'هاني' وسرد كل ما رآه في هذه اللحظات الصادمة.
التفاصيل المتعلقة بسرقة الضحية والدماء التي لطخت ملابس المتهم، كشفها خال الزوجة، مضيفًا أن عدد الأشخاص اللذين وجدهم في شقة والد المتهم 6 أشخاص تقريبًا، جميعهم مدججين بالأسلحة، بينما أضافت الأم المكلومة أن ابنها تُرك ينزف دمًا لمدة 10 ساعات حتى لفظ أنفاسه مع آخر قطرة دم.
اتصال الأم بابنها والمتهم يجيب
قبل أن تتيقن من وفاته، تقول أم هاني أنها اتصلت بابنها على رقم هاتفه للاطمئنان عليه، ولكن المتهم 'محمد' هو من رد عليها وقال لها: 'يا أمي هاني معايا بس راح يجيب حاجة'، عاودت الأم الثكلى الاتصال مجددًا، وفي هذه اللحظة قال لها: 'هاني مشي'، لتتسائل: 'ازاي انت بتقول راح يجيب حاجة وازاي مشي؟'، رد: 'والله مشيته'.
حاولت الأم استجداء زوج حفيدتها قائلة: 'انت بتكذب عليا، يا ابني لو عايز مراتك نجيبها لك، بس خليه يرجع'، بينما يجهش ابنه الذي يدرس بالصف السادس الابتدائي، بالبكاء متوسلًا: 'والنبي يا عم محمد هات لي بابا'، ولكن المتهم لم يرحم توسلات الطفل مريض السكري، فلم يجبه وأغلق هاتف والده في وجهه.
جثمان ملتفًا ببطانية وموضوع داخل جوال
هرعت أم هاني إلى قسم شرطة مينا البصل لتحرير محضر ضد طليق ابنتها، وبحسب روايتها، فإن والدة المتهم كانت تمسك بملابس ابنها وتغسلها لإزالة دماء ابنها التي لطختها، متهمة إياها بالاشتراك مع ابنها وزوجها في الجريمة، فـ 'هاني' قُتل بشقتها، والتف جثمانه ببطانية ثم وضع داخل چوال في إحدى الغرف، وظل ببيتها 3 أيام، وعندما شعروا بالاطمئنان، نقلوه إلى شقة مهجورة بذات المنطقة.
تغير ملامح الضحية وتعفن الجثمان منعهم من الغسل
وتضيف الأم أن عم المتهم طالبه وشركائه بتسليم أنفسهم للشرطة، مشيرة إلى أن ابنها قُتل يوم الجمعة ولكن عُثر على جثمانه الأربعاء التالي لها، حتى أنه تحلل ولم يتمكن أحد من غسله، فوضعوه في كفنين اثنين، وقاموا بلفه بمشمع.
قاطعت ابنة عمة الضحية، الحديث لتشهد بأنه لم يفتعل أي مشكلة مع أي شخص، حتى أنه لو صادف مشاجرة في طريقه لم يكن يكن يسعى للتدخل، بل ينأى بنفسه عنها تمامًا، فلم يكن شغله الشاغل وكل همه سوى توفير لقمة عيشه، وكانت حياته مقتصرة على أبناءه ووالدته وإخوته.
طفل مريض سكر
رحل 'هاني' الخمسيني، وترك لوالدته ابنًا مريضًا بالسكري، لن يجد من بعد وفاة والده من يرعاه، فليس بمقدور الجدة بيديها المرتعشتين أن تحكم السيطرة على حقنة الإنسولين، أو الاعتناء بطفل في عمره، وخاصة بحالته الصحية تلك.
ويعد هذا الطفل أصغر إخوته، فأكبرهم يبلغ من العمر 24 عامًا، والأوسط 17 سنة، ثم شقيقتهم 'توتا'، أضحت الجدة بين ليلة وضحاها مسؤولة مسؤولية كاملة عنهم، فبعد وفاة والدتهم أوصد الضحية أبوابه وغُلِقَت حياته على أبنائه ووالدته، التي وفقًا لها: 'كان بيمشي جوه الحيط' تعبيرًا عن مدى تجنبه الاختلاط أو الانغماس في أي مشكلة.
طلقة ثالثة
لم تنته بشاعة القصة عند هذا الحد، فوفقًا لرواية أم الضحية، فإن المتهم كان قد طلق حفيدتها ثلاثًا، طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه إلى أن تتزوج بآخر، وعلى الرغم من أن ذلك لم يكن قد حدث، إلا أنه فعل كل ذلك من أجل إرجاعها لمنزله.
ومع كل يمين طلاق يقع، كانت تعود له من تلقاء نفسها، ولكنها في العام الماضي باتت يومًا واحدًا في منزل أبيها وعادت لزوجها في اليوم التالي، بينما لم يكن والدها حاضرًا أية جلسات لحل مشكلاتها مع زوجها.
وبنبرة مرتعشة تقول الأم: 'مش مسامحة أي حد يضلل العدالة، عائلة كاملة اتدمرت عشانه، هو اللي كان بيجري علينا ويأكلنا وانا ست كبيرة مش هقدر على الحمل ده، دم ابني في رقبة العدالة، ابني سايب لي 3 أولاد وانا ست كبيرة عندي 75 سنة، انا عايزة إعدام، اعملوا معروف هاتوا لي حقه'، فيما علا صوت نحيب شقيقته وهي تقاطعها قائلة: 'اخويا محدش عرف يغسله، سابه في شقة مهجورة أسبوع لحد ما اتحلل ولفوه في كفنين'.
ويقول شقيق المجني عليه، والذي لم تمحو الأيام الماضية أثر الصدمة من على وجهه: 'قتلتوه؟ خلاص سيبوه لنا، ماتنزلوهوش تحت، ماتموتوهوش 100 مرة، حرام'.
جحود الابنة وغيبوبة شقيقها الأصغر
تعود ابنة عمة المجني عليه لتقول: 'يوم الواقعة اتصل بمراته، وقال لها ابوك عندي لو ماجيتيش خلال نصف ساعة هخلص عليه، وعشان تفدي نفسها مجاتش'، مضيفة أن الابن الأصغر يعاني طول الوقت من الغيبوبة، ولكن اليوم الذي علم فيه بوفاة والده، احتجز في العناية المركزة في غيبوبة نظرًا لارتفاع معدل السكر في دمه.
وتساءلت: 'ذنبه إيه الولد الصغير ده اللي في سادسة ابتدائي، حسبي الله ونعم الوكيل، دمر عائلة بحالها، وقاطعها أحد الأقارب: هو مقتلش واحد ده قتل اثنين' في إشارة إلى الابن الأصغر.
لا تزال التحقيقات مستمرة في واقعة قتل رجل على يد زوج ابنته السابق في الإسكندرية.