هنا لا يمر الطين سريعًا من بين الأيدي.. هنا تبدأ منه حكاية رزق، وتنتهي بقطعة فخار تحمل بصمة صانعها، في قرية دندرة بقنا، ما زالت عجلة الفخار تدور كما دارت قبل سنوات طويلة، ويحافظ أبناء القرية على حرفة توارثوها جيلا بعد جيل، حتى أصبحت مصدر رزق لأسر كثيرة، و جزءًا من تراث القرية الذي لا يزال حاضرا رغم تغير الزمن.











داخل أماكن صناعة الفخار، لا تحتاج إلى كثير من التفاصيل لتعرف أن للمهنة عالمها الخاص؛ طين، وعجلة يدوية، وايد تعرف جيدًا كيف تمنح كل قطعة شكلها، ثم شمس تجفف ما صنعته الأيدي، ونار تمنحه الصلابة ليصبح بعدها جاهزا للخروج إلى الأسواق.
من الأب للابن.. حرفة لا تعرف الانقطاع:-
يقول العم رمضان، أحد صناع الفخار في قرية دندرة، إن الحرفة ليست جديدة على أسرته، فقد تعلمها من والده وأجداده، وظل يعمل بها لسنوات، مؤكدًا أن صناعة الفخار ما زالت مصدر رزق لأبناء المهنة رغم اختلاف الزمن وتغير احتياجات الناس.
ويحكي أن العمل يبدأ بتجهيز الطين، ثم تقطيعه ووضعه على الدولاب اليدوي، لتبدأ مرحلة التشكيل التي تحتاج إلى خبرة ودقة، فكل حركة من يد الصانع تترك أثرها على القطعة التي يصنعها.
ومن إناء إلى آخر، تتشكل المنتجات بأحجام وأشكال مختلفة، قبل أن تنتقل إلى مرحلة التجفيف، حيث تترك تحت أشعة الشمس نحو ثلاثة أيام حتى تتخلص من الرطوبة وتصبح مستعدة للخطوة التالية.
الشمس والنار.. آخر محطات الفخار:-
بعد التجفيف، تدخل القطع إلى الفرن لتتعرض للحرارة، وهي المرحلة التي تمنح الفخار صلابته وشكله النهائي.
وبعد خروج القطع من الفرن، تصبح جاهزة للبيع، لتبدأ رحلة جديدة من داخل مكان التصنيع إلى التجار والأسواق، سواء داخل محافظة قنا أو خارجها.
ويشير علاء إلى أن حركة البيع تختلف من موسم لآخر، فهناك منتجات يزداد الإقبال عليها في فصل الصيف، بينما تنشط تجارة الأواني الفخارية بصورة أكبر خلال فصل الشتاء.
حرفة توفر الرزق وتحافظ على التراث:ـ
وراء كل قطعة فخار حكاية أسرة تعتمد على هذه الصناعة في توفير احتياجاتها، لذلك لا ينظر أصحابها إليها باعتبارها مجرد حرفة تراثية، و إنما باعتبارها عملا يوفر دخلا ويساعد الأسر على مواجهة أعباء الحياة.
كما أتاحت صناعة الفخار مشاركة أفراد الأسرة في مراحل مختلفة من العمل، لتظل الحرفة حاضرة في حياة أبناء القرية، وتنتقل خبراتها من جيل إلى آخر.
دندرة.. التراث لا يعيش داخل المعبد فقط
ويقول شعبان عبدالقادر، أحد أهالي قرية دندرة، إن شهرة القرية لا ترتبط فقط بمعبد دندرة وما يحمله من تاريخ، و إنما هناك تراث شعبي ما زال حاضرا في تفاصيل حياة أهلها، ومن بينه صناعة الفخار.
وأوضح أن وجود المعبد وتوافد الزائرين إلى القرية يمنح الحرفة فرصة للتعريف بها، خاصة أن مشاهدة الصانع وهو يحول الطين إلى قطعة فخارية تحمل جانبا من التراث الذي يميز المكان.
وبين معبد يحمل آلاف السنين من التاريخ، وحرفة ما زالت عجلة العمل فيها تدور حتى اليوم، تبدو دندرة وكأنها تجمع الماضي والحاضر في مشهد واحد؛ فهنا لا يعيش التراث في الكتب أو بين جدران الآثار فقط، و إنما يتحرك بين أيدي الناس، ويتحول من طين إلى مصدر رزق، ومن حرفة قديمة إلى حكاية جديدة تتوارثها الأجيال.