بملامحه الهادئة وابتسامته التي لا تفارق وجهه البشوش، يقف 'عم إبراهيم عمر' في مكانه المعتاد بمدخل قرية المراشدة بمركز الوقف شمالي محافظة قنا، ممسكا بكبشته التي اعتاد استخدامها في بيع الفول النابت، تلك الوجبة الشعبية التي أتقن صناعتها منذ نعومة أظفاره، وأصبحت مصدر رزقه على مدار أكثر من نصف قرن.

عم إبراهيم بائع الفول النابت
«54 سنة ببيع الفول النابت، لما كان الطبق بتعريفة».. بهذه الكلمات يعود «عم إبراهيم» بذاكرته إلى الوراء، مستعيدًا بداياته مع هذه الأكلة التي تنتشر في شوارع وقرى صعيد مصر، وتحظى بإقبال الصغير والكبير، ليروي حكاية كفاحه مع لقمة العيش.

طبق الفول النابت الساخن
وُلد «عم إبراهيم» عام 1947، وبدأ تعلم صناعة الفول النابت في سن الثامنة عشرة، ومنذ ذلك الوقت لم يغير مكان عمله، إذ يبدأ يومه عقب صلاة الفجر، ويواصل البيع حتى الظهر، بالقرب من مدخل قرية المراشدة، حيث اعتاد السائقون والمزارعين والطلاب التوقف لديه لتناول طبق الفول النابت الساخن.

وجبة مشبعة في الأيام الباردة
ويقول «عم إبراهيم» إن الفول النابت من الوجبات الشعبية التي يفضلها كثيرون، خاصة في فصل الشتاء، مضيفا أن «القرقوش» يجعل منه وجبة مشبعة، تمنح متناوليها الدفء، وهو ما يزيد الإقبال عليه في الأيام الباردة.

لكن رحلة الكفاح لم تخلُ من الصعوبات، إذ يشكو العم إبراهيم ارتفاع أسعار البقوليات والتوابل، الأمر الذي زاد من أعباء المهنة، موضحًا أن سعر كيلو الفول تجاوز 100 جنيه، بحسب حديثه، بعدما كانت «كيلة» الفول، التي تزن نحو 12 كيلو جرامًا، لا يتجاوز سعرها 160 قرشًا في أواخر الستينيات.

أسرار صناعة الفول النابت
وعن أسرار صناعة الفول النابت، يشرح عم إبراهيم أن البداية تكون بتنظيف الفول ووضعه في إناء كبير مغمور بالمياه، وتركه لمدة 8 ساعات خلال فصل الصيف، و12 ساعة في الشتاء، حتى تنبت حباته، ثم يُصفى ويُترك في الهواء، قبل إضافة الثوم والملح والكمون والتوابل المختلفة، ليصبح جاهزًا للتقديم.

وبين الشوربة والكبشة، يقضي عم إبراهيم يومه، متمسكا بمهنته التي ورث منها الصبر والرضا، ومؤمنا بأن العمل الحلال هو أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان لنفسه.

ويختتم عم إبراهيم حديثه بكلمات تلخص رحلته الطويلة مع الكفاح، قائلا: «نفسي لما أقابل ربنا أموت والكبشة في إيدي، علشان أكون شهيد لقمة العيش»، مؤكدًا أنه يحمد الله في كل وقت على نعمة الستر، وأنه يأكل لقمته بالحلال.
هكذا يواصل العم إبراهيم رحلته اليومية، ممسكا بكبشته في مكانه المعتاد، ليظل طبق الفول النابت بالنسبة له أكثر من مجرد وجبة شعبية؛ فهو حكاية عمر من الكفاح، ورمز للإصرار على مواصلة العمل والتمسك بلقمة العيش الحلال.