قال الداعية الإسلامي الدكتور جابر بغدادي، وكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية ببني سويف، وعضو اللجنة العلمية العليا بنقابة السادة الأشراف، إن الحياة الدنيا تشبه الوردة التي تتفتح سريعًا ثم تذبل وتزول، مؤكدًا أن الإنسان لا ينبغي أن يغتر بمتاع الدنيا أو يتعلق بها، وإنما عليه أن يحفظ نعم الله بالشكر والافتقار إليه، وأن يجعل القرآن الكريم منهجًا لحياته وطريقًا للارتقاء الروحي وتزكية النفس.
الدكتور جابر البغدادي وكيل المشيخة العامة للصوفية
وأوضح الدكتور جابر بغدادي، خلال حديثه، أن الدنيا مهما بدت جميلة فإنها لا تدوم، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، مشيرًا إلى أن الإنسان ينبغي ألا ينشغل بما في أيدي الآخرين، أو يجعل متاع الدنيا غايته، فهناك ما هو أبقى وأفضل، كما قال الله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
منهج الصوفية
وأضاف أن طبيعة الحياة الدنيا تقتضي ألا يتعجب الإنسان من وجود المشقة والابتلاء فيها، فليست الدنيا دار راحة دائمة، وإنما على الإنسان أن يتعامل مع ما يمر به من صعوبات باللجوء إلى الله والتمسك بالقرآن الكريم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾، موضحًا أن القرآن طريق للهداية والطمأنينة وتهذيب النفس، وليس مصدرًا للشقاء.
وأشار إلى أن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند تحقيق إنجاز أو الوصول إلى مكانة معينة، بل يحتاج إلى شكر الله على النعمة، مع دوام الشعور بالافتقار إليه، وعدم الاغترار بما تحقق من نجاح؛ لأن الشكر من أسباب حفظ النعم، بينما الغفلة قد تجعل الإنسان ينسى صاحب الفضل الحقيقي.
ولفت إلى أن الشيطان يسعى إلى إبعاد الإنسان عن شكر الله، ولذلك ينبغي أن يظل المسلم متيقظًا لقيمة النعم التي بين يديه، وأن يقابلها بالحمد والشكر والعمل الصالح، موضحًا أن القلب الذي يعرف فضل الله ويستشعر حاجته الدائمة إليه يكون أكثر قدرة على الحفاظ على النعم وعدم الانشغال بزخارف الدنيا.
وأكد الدكتور جابر بغدادي أن علاقة المسلم بالقرآن الكريم لا ينبغي أن تقتصر على الحفظ والتلاوة، وإنما تمتد إلى الأخلاق والسلوك والمعاملات اليومية، فالمقصود أن يظهر أثر القرآن في تعامل الإنسان مع الآخرين، وفي صدقه وأمانته وتواضعه ورحمته، مستشهدًا بما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها في وصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، حين قالت: «كان خُلُقُه القرآن».
وأوضح أن الماهر بالقرآن له منزلة عظيمة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة»، مشددًا على أن صحبة القرآن الحقيقية تعني أن يعيش الإنسان بقيمه وتعاليمه، وأن يجعل ما يتلوه حاضرًا في سلوكه ومواقفه، فلا يكون هناك انفصال بين العبادة والأخلاق.
وتطرق إلى كرم النبي صلى الله عليه وسلم وزهده في الدنيا، مستحضرًا ما عُرف عنه من العطاء وعدم التعلق بمتاع الحياة، ومن ذلك عطاؤه للناس عقب غزوة حنين، وما أظهره من جود وسماحة، مؤكدًا أن العطاء الحقيقي يعكس الثقة في الله وعدم الخوف من الفقر، وأن المسلم كلما استشعر سعة فضل الله كان أقدر على البذل ومساعدة الآخرين.
وأشار إلى أن من معاني السلوك الروحي الصحيح أن يسعى الإنسان إلى أن يكون سببًا في الخير والنفع للناس، مستشهدًا بالدعاء المنسوب إلى الإمام أبي الحسن الشاذلي: «اللهم أغنني بلا سبب، واجعلني سبب الغنى لأوليائك»، موضحًا أن الغاية ليست مجرد تحصيل الخير للنفس، بل أن يصبح الإنسان بابًا للخير لمن حوله.
كما تناول معاني الطهارة في حياة المسلم، موضحًا أن الأمر لا يقتصر على نظافة الظاهر، وإنما يشمل تطهير القلب والسلوك من كل ما يشوبه، وربط ذلك بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، في إطار حديثه عن تهذيب النفس والارتقاء بها، والتحلي بآداب الطريق والسير إلى الله.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الطريق إلى الله يقوم على الالتزام بالشريعة، وحسن الخلق، وصدق التوجه، ومجاهدة النفس، وأن حقيقة الارتقاء الروحي تظهر في سلوك الإنسان ومعاملاته، وفي شكره للنعم، وتواضعه، وابتعاده عن الغرور بزهرة الحياة الدنيا، مع دوام التعلق بالله والرجوع إلى كتابه الكريم.