خلال اليومين الماضيين، خرجت وزارة الصحة لتحتفي بتراجع معدلات المواليد باعتباره أحد ثمار حملات التوعية وبرامج تنظيم الأسرة، في الوقت نفسه الذي أعلن فيه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أرقامًا تطرح تساؤلات أكثر تعقيدًا من مجرد الحديث عن نجاح خطة سكانية. فخلف انخفاض أعداد المواليد، التي تراجعت إلى نحو مليوني مولود، تختبئ مؤشرات اجتماعية لافتة تتعلق بتراجع معدلات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق، وهي متغيرات أسهمت بشكل مباشر في إعادة تشكيل الخريطة السكانية خلال السنوات الأخيرة.
وتعزز هذه التساؤلات أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي أظهرت ارتفاع حالات الطلاق في مصر بنسبة 3.1% خلال عام 2024، لتسجل 273 ألفًا و892 حالة، مقابل 265 ألفًا و606 حالات في عام 2023، بما يعكس استمرار الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الأسرة المصرية.
فهل يعكس تراجع المواليد بالفعل نجاحًا لسياسات تنظيم الأسرة ونشر الوعي المجتمعي؟ أم أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الإقدام على الزواج وتزايد حالات الانفصال الأسري هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه الأرقام؟ سؤال يفرض نفسه بقوة، خاصة مع وجود فجوة بين الرواية الرسمية التي تتحدث عن نجاح السياسات السكانية، وبيانات تشير إلى تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة قد تكون المحرك الأساسي وراء انخفاض معدلات الإنجاب.
جمال فرويز: تراجع أعداد الموالي يعكس تغيرات اقتصادية واسعة
ففي هذا الصدد يرى الدكتور جمال فرويز أستاذ الطب النفسي، أن تراجع معدلات الإنجاب لا يرتبط فقط ببرامج تنظيم الأسرة، وإنما يعكس تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.
وقال الدكتور جمال فرويز: «فين الوعي اللي إحنا شايفينه؟ ما فيش وعي بالشكل اللي بيتقال عليه، في فئة معينة من الناس بتيجي من الصعيد والأرياف للقاهرة، وتخلف 10 و12 عيل في الزمن اللي إحنا فيه، وبتسيبهم في الشوارع»، مشيرًا إلى أن هذه المشكلة هي نفسها التي لها نصيب كبير من الأزمة الاقتصادية.
وأوضح أن الأسر الأكثر قدرة ماديًا غالبًا ما تكتفي بإنجاب طفلين أو ثلاثة على الأكثر، بينما ترتبط معدلات الإنجاب المرتفعة في بعض الأحيان بالفئات الأكثر فقرًا واحتياجًا، قائلًا: (اللي ربنا فاتحها عليه بتخلف اتنين أو تلاتة بالكتير، لكن اللي بيخلفوا سبعة وتمانية دول غالبًا الأكثر فقرًا والأكثر احتياجًا).
وأضاف أن الضغوط الاقتصادية دفعت كثيرًا من الشباب إلى التفكير بصورة أكثر عقلانية، وربما بصورة مبالغ فيها أحيانًا، خاصة بين الفئات الأكثر طموحًا، إذ أصبح تحقيق الاستقرار المادي والمهني أولوية تسبق فكرة الزواج والإنجاب.
وأشار إلى أن بعض الشباب بات يضع أهدافًا عديدة قبل تكوين أسرة، مثل تأسيس مشروع خاص أو شراء سيارة أو امتلاك مسكن مناسب، معتبرًا أن هذا التفكير يؤجل قرار الإنجاب لفترات طويلة، موضحًا: (بيقولك أنا عايز أوصل لوضع اجتماعي معين، أجيب بيزنس معين، أجيب عربية أو شاليه، ليه أربط نفسي بعيل دلوقتي؟).
وتابع أن هناك شريحة من الأزواج اتخذت قرارًا بعدم الإنجاب أو الاكتفاء بطفل واحد فقط، بسبب المخاوف المرتبطة بالمسؤولية وتكاليف التربية، لافتًا إلى أن بعض الفتيات أصبحن يفضلن نمط حياة أكثر استقلالية، مضيفًا: (في ناس واخدين قرار مش عايزين يخلفوا، وفي بنات بتتجوز وعايزة تبقى كأنها سنجل، ومش عايزة من الدنيا غير ولد واحد وخلاص).
وأكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مهمًا في تغيير ثقافة الأفراد ونظرتهم إلى الأسرة والإنجاب، مشيرًا إلى أن أولويات الأجيال الجديدة تختلف عن الأجيال السابقة، وأن الاهتمام بالمظهر ونمط الحياة أصبح حاضرًا بقوة لدى بعض الشباب، قائلًا: (السوشيال ميديا غيرت ثقافة الأفراد، وفي بنات بقت مهتمة بالكريمات والمكياج والحاجات دي وناسيين فكرة الخلفة).
طه أبو حسين: ارتفاع المهور وتكاليف الزواج أصبح يمثل عائقًا كبيرًا أمام قطاع واسع من الشباب
وبدوره قال الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، إن تراجع معدلات الزواج يعد أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في انخفاض معدلات المواليد، موضحًا أن ارتفاع المهور وتكاليف الزواج أصبح يمثل عائقًا كبيرًا أمام قطاع واسع من الشباب، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل فكرة الزواج أو العزوف عنها. وأضاف أن تفسير تراجع المواليد لا يجب أن يُبنى على افتراضات عامة بشأن تغير ثقافة المجتمع، مؤكدًا أنه لا يمكن التعميم على ملايين المواطنين دون دراسات ميدانية واستطلاعات رأي دقيقة، موضحًا أن العامل الاقتصادي يظل الأكثر حضورًا في هذه القضية، مشبهًا الأمر بقدرة الفرد الشرائية التي تتغير وفقًا لدخله وإمكاناته المادية.
وأشار إلى أن البعض يربط انخفاض الإنجاب بتغير الأولويات الشخصية أو المهنية لدى الشباب، إلا أنه يرى أن الدافع الأساسي يظل مرتبطًا بالقدرة على تحمل أعباء الزواج وتكاليف تكوين الأسرة، موضحًا أن غريزة تكوين الأسرة والإنجاب ما زالت قائمة، لكن الظروف الاقتصادية أصبحت تحول دون ترجمتها إلى واقع.
وحول تأثير مشاركة المرأة في سوق العمل، قال إن هناك من يرى أن ارتفاع معدلات عمل النساء أدى إلى تغير بعض التصورات المرتبطة بالزواج والإنجاب، نتيجة زيادة الاهتمام بالمسار المهني وتحقيق الذات، إلا أنه يؤكد أن الرغبة في الأمومة تظل من الدوافع الإنسانية الأساسية لدى المرأة. وأضاف أن اختزال ظاهرة تراجع الإنجاب في رغبة النساء في عدم الإنجاب أو في تغير القيم الاجتماعية فقط، لا يقدم تفسيرًا كاملًا للمشهد، مشددًا على أن القضية أكثر تعقيدًا وتتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة، تتطلب دراسة شاملة لفهم أسبابها الحقيقية.
وفي معرض رده على سؤال حول وجود تخوف من ارتفاع هذه الظاهرة مستقبلًا، أكد الدكتور طه أبو حسين أن الأمر لا يمثل مصدر قلق في مصر أو في المنطقة العربية بشكل عام، موضحًا أن الثقافة العربية ما زالت قائمة على فكرة الأسرة الممتدة والعائلة الكبيرة.
وقال إن مفهوم 'العزوة' والارتباط بالأبناء والبنات لا يزال حاضرًا بقوة في المجتمعات العربية، مضيفًا أن ثقافة العرب تاريخيًا ارتبطت بفكرة القبيلة التي تقوم على كثرة الأفراد والترابط الأسري، وهو ما يجعل من الصعب حدوث تحول جذري في هذا الاتجاه على المدى القريب، نظرًا لارتباطه بعوامل اجتماعية وثقافية راسخة في المجتمع العربي والإسلامي.
السيد خضر: ارتفاع تكاليف الزواج وارتفاع أسعار العقارات أثر على تراجع نسبة المواليد
ومن جانبه قال الخبير الاقتصادي، الدكتور السيد خضر، إنه في الفترة الأخيرة في مصر حدث انخفاض ملحوظ في معدلات الزواج، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع تكاليف الزواج بشكل كبير، سواء من حيث السكن وارتفاع أسعار العقارات، أو العادات والتقاليد الاجتماعية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الذهب والأثاث والخشب، وكلها عناصر تشكل عبئًا اقتصاديًا على الشباب.
وأشار إلى أن هذا الارتفاع في التكاليف، مع ضعف فرص العمل وانخفاض مستوى الدخل، أدى إلى تأخر سن الزواج أو تقليل عدد المقبلين عليه، وبالتالي انعكس ذلك على انخفاض معدلات الإنجاب.
كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم والرعاية يجعل الأسرة غير قادرة على إنجاب عدد كبير من الأبناء كما كان في السابق، لأن زيادة عدد الأبناء تؤدي إلى تآكل الدخل وتراجع مستوى المعيشة والتعليم والتربية.
ومن منظور اقتصادي، يمكن القول إن الزيادة السكانية غير المُدارة قد تتحول إلى عبء إذا لم تقابلها فرص عمل وتنمية حقيقية، حيث إن الفرد يمثل “طاقة بشرية” يمكن أن تكون عبئًا أو موردًا حسب طريقة استثمارها.
وفي هذا الإطار، تشير بعض التجارب الدولية مثل الصين إلى أن تحويل الكثافة السكانية إلى قوة إنتاجية عبر المصانع الصغيرة والمتوسطة وتوسيع قاعدة التشغيل يمكن أن يحول الزيادة السكانية إلى عنصر قوة اقتصادية. لكن هذا النموذج لا ينجح إلا إذا كانت هناك بنية اقتصادية قادرة على الاستيعاب، وفرص عمل حقيقية، واستثمار فعّال في الإنسان باعتباره رأس المال الأهم في أي دولة