أعاد النائب والإعلامي مصطفى بكري فتح ملف التعديلات الدستورية في مصر، بعد دعوته إلى إعداد دستور جديد للبلاد أو تعديل الدستور الحالي، بما يتيح مسارًا دستوريًا لاستمرار الرئيس عبدالفتاح السيسي في استكمال مشروع بناء الدولة بعد انتهاء مدته الرئاسية الحالية عام 2030، وهو المقترح الذي أثار نقاشًا واسعًا خلال ظهوره مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج «الحكاية».
وتأتي هذه الدعوة في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل الحياة السياسية في مصر، وحدود مدد الرئاسة، والضوابط الدستورية المنظمة لتولي منصب رئيس الجمهورية، خاصة أن الدستور الحالي، الصادر عام 2014 والمعدل عام 2019، يتضمن نصوصًا واضحة بشأن مدة الرئاسة وعدد مرات إعادة الانتخاب.
ماذا يريد مصطفى بكري من إعداد دستور جديد؟
أكد مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، خلال مداخلته ببرنامج «الحكاية» المذاع على قناة «MBC مصر»، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، ضرورة إعداد دستور جديد لمصر أو إجراء تعديلات على الدستور القائم، معتبرًا أن البلاد تواجه تحديات تستدعي إتاحة الفرصة أمام الرئيس السيسي لاستكمال مشروع بناء الدولة.
وقال بكري إنه يريد إيجاد منفذ دستوري وقانوني يسمح باستمرار الرئيس في استكمال ما وصفه بالمشروع الوطني، مشيرًا إلى أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، وله الحق في تحديد اختياراته السياسية.
واستشهد بتجارب دولية، من بينها الصين وتركيا، التي شهدت تغييرات في القواعد المنظمة لمدد تولي السلطة، معتبرًا أن الظروف التي تمر بها مصر تستدعي إعادة النظر في بعض النصوص الدستورية.
كما أوضح أن دعوته لا تقتصر على مدة الرئاسة، وإنما تشمل مواد أخرى يرى أنها تحتاج إلى المراجعة، من بينها النصوص المتعلقة بالانتخابات المحلية وبعض الملفات المرتبطة بتنظيم مؤسسات الدولة.
مواجهة تلفزيونية بين مصطفى بكري وعمرو أديب
وشهدت المناقشة بين بكري وعمرو أديب نقاشًا حادًا بشأن الهدف من إعداد دستور جديد، وما إذا كان المقترح يستهدف فتح الباب أمام الرئيس السيسي للترشح لفترات رئاسية جديدة.
وتساءل عمرو أديب عن جدوى تغيير الدستور إذا كان الرئيس قد أعلن احترامه للنصوص الدستورية وعدم رغبته في الاستمرار بعد انتهاء مدته الحالية، معتبرًا أن فتح الباب أمام مدد جديدة يثير تساؤلات حول جدوى القيود الدستورية المنظمة لتداول السلطة.
ورد بكري بأن إعداد دستور جديد لا يتعلق بمدة الرئاسة وحدها، وإنما يتضمن معالجة مواد أخرى يرى أنها تحتاج إلى التعديل، مؤكدًا أن الشعب صاحب الحق في تحديد شكل النظام الدستوري الذي يريده.
كما أشار النقاش إلى إمكانية وجود بدائل أخرى لتولي منصب الرئاسة، حيث شدد أديب على أهمية وجود شخصيات أخرى قادرة على خوض الانتخابات، بينما أكد بكري أن موقفه يرتبط برغبته في استمرار الرئيس السيسي لاستكمال المشروع الذي بدأه.
ماذا تقول المادة 140 عن مدة الرئاسة في مصر؟
تحدد المادة 140 من الدستور المصري مدة تولي رئيس الجمهورية بست سنوات ميلادية، وتنص على عدم جواز تولي المنصب لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين.
وجاءت هذه الصياغة ضمن تعديلات دستور 2019، التي رفعت مدة الفترة الرئاسية من أربع سنوات إلى ست سنوات، مع وضع أحكام انتقالية خاصة بالفترة الرئاسية القائمة وقت إقرار التعديلات.
وبموجب هذه التعديلات، تنتهي المدة الرئاسية الحالية للرئيس عبدالفتاح السيسي عام 2030، وفق الإطار الدستوري القائم.
وبالتالي، فإن أي تغيير يتعلق بمدة الرئاسة أو عدد مرات تولي المنصب يطرح تساؤلات قانونية ودستورية تتجاوز مجرد تعديل عادي في بعض المواد.
المادة 226.. كيف يمكن تعديل الدستور؟
تحدد المادة 226 من الدستور الإجراءات المنظمة لتعديل مواده، إذ تمنح رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس النواب حق طلب تعديل مادة أو أكثر، مع توضيح المواد المطلوب تعديلها وأسباب التعديل.
ويمر طلب التعديل بعدد من المراحل، أبرزها:
تقديم طلب رسمي يتضمن المواد المطلوب تعديلها وأسباب التعديل.
مناقشة مجلس النواب للطلب خلال 30 يومًا من تاريخ تسلمه.
موافقة المجلس على طلب التعديل كليًا أو جزئيًا بأغلبية أعضائه.
استكمال المناقشات والإجراءات البرلمانية والتصويت على التعديلات وفق الأغلبية الدستورية المطلوبة.
عرض التعديلات على الشعب في استفتاء عام.
وتتضمن المادة 226 قيدًا دستوريًا مهمًا، إذ لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو بمبادئ الحرية والمساواة، إلا إذا كان التعديل متعلقًا بتقديم المزيد من الضمانات.
وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط الجدل القانوني حول المقترح، وهي مدى إمكانية الوصول إلى صيغة دستورية جديدة تسمح بتغيير القواعد الحالية لمدد الرئاسة، والضمانات اللازمة لذلك.
هل يمكن إعداد دستور جديد بدلًا من تعديل الدستور الحالي؟
يفتح مقترح مصطفى بكري تساؤلًا قانونيًا أوسع بشأن الفرق بين تعديل الدستور القائم وإعداد دستور جديد.
فتعديل الدستور يخضع للإجراءات والقيود المنصوص عليها في المادة 226، بينما يثير إعداد دستور جديد مسألة الأساس القانوني والإجراءات التأسيسية التي يمكن من خلالها الانتقال إلى نظام دستوري مختلف.
ولا يعني مجرد الدعوة إلى دستور جديد أن القيود الدستورية القائمة يمكن تجاوزها تلقائيًا، إذ يتطلب الأمر تحديد المسار القانوني والمؤسسي، ودور البرلمان والشعب، والضمانات المرتبطة بالحقوق والحريات وتداول السلطة.
ومن ثم، يظل المقترح في حاجة إلى دراسة دستورية متخصصة قبل تحديد مدى إمكانية تطبيقه والآثار القانونية المترتبة عليه.
ماذا تقول مواقف أعضاء البرلمان والشيوخ؟
شدد النائب ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل الديمقراطي، في تصريحات له على أن منتدى مصر والحوار السياسي لا يمكن أن يكونا بديلًا دستوريًا عن البرلمان بغرفتيه، مطالبًا بتعزيز دور المؤسستين في مناقشة السياسات الحكومية والرقابة والمساءلة.
ويعكس هذا الموقف أهمية التمييز بين الحوار السياسي العام وبين الإجراءات الدستورية والمؤسسية التي يتطلبها أي تغيير في النظام الدستوري.
هل سبق أن شهدت مصر مطالبات بتعديل الدستور؟
شهدت الحياة السياسية المصرية محاولات سابقة لإعادة النظر في مدد الرئاسة وبعض النصوص الدستورية.
ففي عام 2017، تقدم النائب إسماعيل نصر الدين بمقترحات لتعديل مدة الفترة الرئاسية، قبل أن تشهد البلاد تعديلات دستورية أُقرت عام 2019، تضمنت رفع مدة الرئاسة من أربع سنوات إلى ست سنوات.
كما شهدت مصر عام 1980 تعديلات دستورية شملت المادة 77 المتعلقة بمدد الرئاسة، في مرحلة حكم الرئيس الراحل أنور السادات.
وتكشف هذه السوابق عن استمرار حضور ملف التعديلات الدستورية في النقاش السياسي المصري، مع اختلاف طبيعة المواد المطروحة والظروف السياسية التي صاحبت كل مرحلة.
هل يتحول مقترح مصطفى بكري إلى مشروع دستوري؟
حتى الآن، تدور الدعوة التي طرحها مصطفى بكري في إطار النقاش السياسي والإعلامي، ولم يتضمن التصريح المنشور إعلانًا عن تقديم مشروع رسمي محدد لتعديل الدستور أو إجراءات برلمانية بدأت بالفعل لإعداد دستور جديد.
وتتوقف الخطوة التالية على مدى تحول المقترح إلى تحرك مؤسسي، من خلال تقديم تصور واضح للمواد المطلوب تعديلها، وتحديد المسار القانوني المقترح، وظهور مواقف رسمية من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ والقوى السياسية.
وبين الدعوة إلى استمرار مشروع بناء الدولة، والالتزام بالنصوص الدستورية المنظمة لمدد الرئاسة، يفتح مقترح بكري نقاشًا يتجاوز مستقبل منصب الرئيس، ليشمل شكل النظام السياسي، وضمانات تداول السلطة، ودور المؤسسات التشريعية والاستفتاء الشعبي في تحديد مستقبل الدستور المصري.