لم يحتج عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، إلى خطابات سياسية تقليدية حتى يلفت الأنظار في معركته الانتخابية بولاية ميشيغان الأمريكية؛ فبجانب برنامجه السياسي، اختار سلاحًا مختلفًا لمواجهة هجمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائه: السخرية الذكية والإفيهات التي تحولت إلى مادة واسعة التداول على منصات التواصل الاجتماعي.
وبعد شهور من السجال السياسي والهجمات المتبادلة، نجح عبدول في تحقيق انتصار تاريخي، بعدما هزم المرشح الجمهوري مايك روجرز في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، في نتيجة حملت دلالات سياسية تتجاوز حدود الولاية، وتمنح التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي دفعة قوية.
من أصول مصرية إلى قلب السياسة الأمريكية
يحمل عبدول السيد قصة تجمع بين جذور مصرية ونشأة أمريكية؛ فهو مولود في ولاية ميشيغان عام 1984، وينحدر من أسرة مصرية مهاجرة، ونشأ في منطقة ديترويت، حيث تلقى تعليمه قبل أن يتجه إلى دراسة العلوم والسياسة والطب والصحة العامة.
لم يكن طريقه إلى السياسة تقليديًا، إذ بدأ مسيرته المهنية في المجال الطبي والأكاديمي، وحصل على درجة الدكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد البريطانية بصفته أحد الحاصلين على منحة رودس، كما حصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا الأمريكية.
وفي عام 2015، تولى إدارة إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت، وعمل على تطوير الخدمات الصحية في المدينة، قبل أن يتولى لاحقًا مسؤوليات صحية في مقاطعة واين. وخاض تجربة انتخابية سابقة عام 2018 عندما ترشح لمنصب حاكم ميشيغان، لكنه لم ينجح في الفوز بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي حينها
إفيهات تقلب هجمات ترامب إلى سلاح ضده
كان ترامب أحد أبرز مهاجمي عبدول خلال الحملة الانتخابية، ولم تقتصر هجماته على انتقاد برنامجه السياسي، بل امتدت إلى اسمه وأصوله وهويته الدينية. وفي أكثر من مناسبة، تعمد الرئيس الأمريكي تحريف اسم المرشح الديمقراطي، مطلقًا عليه تسميات مختلفة، من بينها «عبدول رمضان».
لكن السيد لم يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد إساءة شخصية، بل حوّله إلى مادة ساخرة تخدم رسالته الانتخابية. ففي رده على تسمية ترامب له بـ«عبدول رمضان»، قال ساخرًا إن سياسات الرئيس الاقتصادية وارتفاع أسعار الغذاء قد تجعل الأمريكيين جميعًا مضطرين إلى الصيام، لأنهم لن يستطيعوا تحمل تكلفة شراء الطعام.
وأضاف أن ترامب ونائبه جي دي فانس يواصلان الحديث عن اسمه، رغم أن الرئيس لا يبدو قادرًا على نطقه بصورة صحيحة، ثم وجه رسالة ساخرة مفادها أنه لا يهمه إن كان ترامب يعرف اسمه، بقدر ما يهمه أن ينطقه مسبوقًا بلقب «سيناتور» بعد الانتخابات.
ولم تكن هذه المرة الوحيدة التي استخدم فيها عبدول السخرية؛ فقد قلد طريقة ترامب في نطق اسمه خلال أحد التجمعات الانتخابية، ووجه إليه رسالة ساخرة مستخدمًا كلمة «Habibi»، التي تعني «حبيبي»، في مشهد لاقى تفاعلًا واسعًا بين متابعيه.
ترامب يفتح معركة الهوية.. وعبدول يرد
لم تتوقف المواجهة عند الأسماء والإفيهات، إذ نشر ترامب صورة تقارن بينه وبين زوجته ميلانيا من جهة، وعبدول وزوجته المحجبة من جهة أخرى، وكتب تعليقًا وصف فيه الصورتين بأنهما تمثلان «أمريكتين مختلفتين تمامًا».
وأثار المنشور جدلًا واسعًا، خاصة مع ما اعتبره منتقدون محاولة للتشكيك في انتماء عبدول إلى المجتمع الأمريكي بسبب خلفيته العائلية والدينية. ورد السيد مؤكدًا أن ارتداء زوجته الحجاب لا يجعلها أقل أمريكية، وأن المواطنة لا تتحدد بلون البشرة أو الدين أو طريقة ممارسة الشعائر.
كما أكد اعتزازه بأصوله المصرية والعربية والأفريقية، مشيرًا إلى أن عائلته هاجرت من مصر، وأنه يؤمن بأن الأمريكيين، مهما اختلفت أصولهم ومعتقداتهم، يستحقون الحقوق والفرص نفسها.
برنامج اقتصادي في مواجهة خطاب التخويف
رغم الضجة التي صنعتها المواجهة مع ترامب، لم يعتمد عبدول على السخرية وحدها، بل ركز في حملته على ملفات تمس الحياة اليومية للأمريكيين، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية الصحية وتأثير الأموال والشركات الكبرى على القرارات السياسية.
ودافع عن توسيع مظلة الرعاية الصحية الحكومية لتشمل الجميع من خلال برنامج «ميديكير للجميع»، كما دعا إلى إخراج أموال الشركات من السياسة، معتبرًا أن النفوذ المالي للمؤسسات الكبرى يضعف قدرة المواطنين على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم.
وفي مواجهة منافسه الجمهوري مايك روجرز، اتهمه عبدول بالارتباط بمصالح شركات الأدوية، وانتقد ما وصفه باستغلال النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب مالية، بينما قدم نفسه باعتباره مرشحًا يركز على احتياجات الأسر والعمال والطبقات المتوسطة.
انتصار تاريخي ورسالة إلى البيت الأبيض
في الرابع من نوفمبر 2026، حسم عبدول السيد السباق الانتخابي في ميشيغان، متغلبًا على مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، ويحافظ في الوقت نفسه على المقعد الذي كان يشغله السيناتور الديمقراطي المتقاعد جاري بيترز.
وخلال خطاب إعلان الفوز، وجه عبدول رسائل ساخرة إلى خصومه، وقال لنائب الرئيس جي دي فانس: «يا حبيبي، هناك مفارقة لذيذة في أنك ستكون ملزمًا دستوريًا بأداء القسم لي في يناير»، في إشارة إلى الدور الدستوري لنائب الرئيس في مراسم أداء أعضاء مجلس الشيوخ اليمين.
كما انتقد الأموال الضخمة التي أُنفقت لمحاولة إسقاطه، مؤكدًا أن ميشيغان اختارت الأمل بدلًا من الكراهية.
وهكذا، لم تكن قصة عبدول السيد مجرد حكاية مرشح أمريكي من أصول مصرية نجح في الوصول إلى مجلس الشيوخ، بل أصبحت اختبارًا سياسيًا لمدى قدرة خطاب الهوية والتخويف على التأثير في الناخبين. وبين جذوره المصرية ونشأته الأمريكية، وبين برنامجه الاقتصادي وإفيهاته اللاذعة، استطاع عبدول أن يحول الهجوم عليه إلى فرصة لإبراز نفسه، وأن يحقق انتصارًا تاريخيًا يضعه في قلب المشهد السياسي الأمريكي.