تستعد سوق الشراء بالتقسيط في مصر لمرحلة جديدة من الرقابة والتنظيم، بعد سلسلة من القرارات التي أصدرتها الهيئة العامة للرقابة المالية خلال عام 2026، بهدف إحكام السيطرة على نشاط التمويل الاستهلاكي، والحد من حصول العملاء على تمويلات متعددة تتجاوز قدرتهم على السداد، إلى جانب تعزيز حماية المستهلكين من عمليات الاحتيال وانتحال الهوية.
وجاءت التحركات الجديدة في ظل التوسع الكبير في استخدام تطبيقات الشراء بالتقسيط الرقمي، التي أصبحت وسيلة شائعة للحصول على الهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية والأثاث وغيرها من المنتجات، دون سداد قيمتها بالكامل مقدمًا، وهو ما صاحبه تزايد المخاوف من تراكم الالتزامات المالية وتعثر بعض العملاء نتيجة تعدد جهات التمويل.
ربط شركات التقسيط بـ«آي سكور».. متابعة لحظية لالتزامات العملاء
وفي إطار ضبط سوق التمويل الاستهلاكي، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية القرار رقم 174 لسنة 2026، في 12 سبتمبر، بإلزام شركات التمويل الاستهلاكي بالربط الإلكتروني اللحظي مع شركة الاستعلام الائتماني «آي سكور».
ويُلزم القرار الشركات بتسجيل عمليات الموافقة على التمويل وصرفه، فضلًا عن المبالغ التي يسددها العملاء، وإنهاء التمويلات والإجراءات القانونية المرتبطة بها.
ويستهدف هذا الإجراء توفير صورة أكثر دقة عن الموقف الائتماني لكل عميل، بما يسمح لشركات التمويل بالاطلاع على التزامات العملاء القائمة قبل الموافقة على طلبات تمويل جديدة، والحد من ظاهرة تعدد القروض والتقسيط لدى أكثر من شركة دون مراعاة القدرة الفعلية على السداد.
رمز OTP قبل الحصول على التمويل.. حماية من انتحال الهوية
وشملت الإجراءات التنظيمية الجديدة تعزيز وسائل التحقق من هوية العملاء، من خلال إلزام شركات التمويل الاستهلاكي باستخدام رمز التحقق لمرة واحدة (OTP)، وإرساله إلى رقم الهاتف الخاص بالعميل عند إبرام عقد التمويل واستخدامه.
ويهدف الإجراء إلى التأكد من أن صاحب البيانات هو من يجري عملية التمويل بالفعل، والحد من استغلال البيانات الشخصية للحصول على مشتريات بالتقسيط دون علم أصحابها.
كما حدد القرار رقم 2735 لسنة 2026 مهلة شهرين أمام الشركات لاستكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية اللازمة لتطبيق منظومة التحقق الجديدة.
تقييم ائتماني سلوكي.. هل يتغير قبول طلبات التقسيط؟
وفي خطوة أخرى لتطوير آليات تقييم العملاء، أصدرت الهيئة القرار رقم 2863 لسنة 2026، في 15 سبتمبر، بشأن التحقق الرقمي من بيانات العملاء ومراجعة تقييمهم الائتماني السلوكي، بالاستناد إلى البيانات البديلة التي توفرها شركة «آي سكور».
ومن المقرر بدء تطبيق هذا الالتزام اعتبارًا من الأول من أبريل 2027، بعد الانتهاء من تجهيز النظام الإلكتروني اللازم.
ويعني هذا التوجه أن تقييم طلبات التمويل لن يقتصر على البيانات التقليدية، بل سيمتد إلى الاستفادة من مؤشرات وبيانات سلوكية تساعد على تقدير مدى قدرة العميل على الالتزام بسداد الأقساط في مواعيدها.
وقف تراخيص شركات تقسيط جديدة.. ماذا يحدث في السوق؟
وفي إطار إعادة تنظيم سوق التمويل الاستهلاكي، اتخذت الهيئة العامة للرقابة المالية قرارًا بوقف قبول طلبات تأسيس شركات جديدة والحصول على تراخيص لمزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي باستخدام التكنولوجيا المالية، بموجب القرار رقم 43 لسنة 2026.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تشديد متطلبات الحوكمة والملاءة المالية وإدارة المخاطر، بما يستهدف تعزيز استقرار السوق ورفع كفاءة الشركات العاملة فيه.
ولا يعني القرار وقف الشركات القائمة والمرخص لها عن ممارسة نشاطها، وإنما يرتبط بتنظيم دخول كيانات جديدة إلى السوق وفقًا للضوابط التي تحددها الهيئة.
ممنوع التوقيع على بياض.. ضوابط جديدة لحماية المواطنين
ولتعزيز حقوق المستهلكين، أصدرت الهيئة دليلًا شاملًا في 5 سبتمبر 2026، يتضمن قواعد الإفصاح عن تكاليف التمويل وجداول الأقساط والمصروفات والمخاطر المرتبطة بالتعاقد.
كما تضمنت الضوابط حظر حصول شركات التمويل على أوراق موقعة على بياض أو إيصالات أمانة من العملاء كضمان للحصول على التمويل، بما يحد من الممارسات التي قد تعرض المستهلكين لمخاطر قانونية ومالية.
هل تمنع القرارات الجديدة تعثر المواطنين؟
وتحمل القرارات الجديدة عدة انعكاسات مباشرة على سوق التقسيط، أبرزها تعزيز قدرة الشركات على معرفة الالتزامات المالية للعملاء، والحد من التمويل المتعدد غير المدروس، وتقليل فرص انتحال الهوية والحصول على تمويلات دون موافقة أصحاب البيانات.
وفي المقابل، قد يصبح الحصول على موافقة التقسيط أكثر ارتباطًا بالموقف الائتماني للعميل وقدرته الفعلية على السداد، بدلًا من الاعتماد فقط على استكمال إجراءات التقديم.
ورغم هذه الإجراءات، تظل مسؤولية المستهلك قائمة في مراجعة إجمالي قيمة التمويل، وسعر العائد، والرسوم الإدارية، وغرامات التأخير، وعدد الأقساط قبل توقيع العقد، حتى لا تتحول سهولة الشراء بالتقسيط إلى التزامات مالية يصعب الوفاء بها.
وبذلك تتجه سوق التقسيط في مصر إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على البيانات والتحقق الرقمي، في محاولة لتحقيق التوازن بين إتاحة التمويل للمواطنين وحماية العملاء والشركات من مخاطر التعثر والاحتيال.