ads
ads

حملة «درع الجنوب»| «860 طنًا من خامات الذهب تحت المجهر».. كيف تعمل شبكات التنقيب غير المشروع وأين تنتهي أموالها؟

التنقيب غير الشرعي عن الذهب
التنقيب غير الشرعي عن الذهب

من جنوب مصر، حيث تتداخل المناطق الجبلية الوعرة مع مناطق النشاط التعديني، تعود قضية التنقيب غير المشروع عن الذهب إلى الواجهة مع دخول حملة «درع الجنوب» مرحلتها الرابعة، ولا تتوقف أهمية الحملة عند ضبط كميات ضخمة من خامات الذهب، وصلت وفق الرقم الوارد في ملف القضية إلى 860 طنًا، بل تمتد إلى السؤال الأهم: كيف تتحول هذه الخامات إلى أموال؟ ومن يتولى نقلها ومعالجتها وتسويقها؟ وأين تنتهي حصيلة هذا النشاط؟

الملف هنا يتجاوز مجرد ضبط مخالفات تنقيب؛ فهو يرتبط بسلسلة اقتصادية غير رسمية قد تبدأ بالحفر واستخراج الخام، ثم تنتقل إلى النقل والطحن واستخلاص الذهب، قبل الوصول إلى مرحلة البيع والتصريف، وكل مرحلة من هذه المراحل تفتح بابًا للربح، لكنها تطرح أيضًا تحديات تتعلق بالرقابة على الثروات المعدنية، وحماية البيئة، وضمان دخول عائدات الذهب إلى الاقتصاد الرسمي.

860 طنًا من الخام.. رقم يكشف حجم النشاط

أعلن المتحدث العسكري العقيد أركان حرب أحمد عتمان، خلال مؤتمر صحفي في 6 نوفمبر 2026، نتائج المراحل الثلاث الأولى من حملة «درع الجنوب»، التي نُفذت خلال الفترة من 14 يونيو حتى 29 أكتوبر، وأسفرت عن ضبط 151 مصريًا و540 أجنبيًا، بإجمالي 691 شخصًا، إلى جانب 6614 شخصًا سلموا أنفسهم قبل بدء العمليات في المناطق المستهدفة.

ومن بين أبرز المضبوطات 860 طنًا من المواد المحجرية المحتوية على خام الذهب. وهنا يجب الانتباه إلى أن الرقم لا يعني ضبط 860 طنًا من الذهب الخالص، وإنما مواد صخرية ومحجرية تحتوي على الخام، تحتاج إلى عمليات معالجة واستخلاص لفصل الذهب عنها.

وتكشف بقية المضبوطات عن وجود نشاط يتجاوز التنقيب اليدوي البسيط؛ فقد شملت:

- 916 معدة هندسية وفنية، بينها لوادر وحفارات ومعدات ثقيلة.

- 73 جهازًا للكشف عن المعادن.

- 433 مولدًا للطاقة و335 جهازًا لتكسير الصخور.

- 317 مركبة و19 دراجة نارية.

- 34 قطعة سلاح و6307 ذخائر مختلفة.

- 4488 خيمة وعشة ومنشأة مؤقتة.

- 29 عبوة مواد كيميائية و15 حوضًا للسيانيد.

- محطات وقود و129 نقطة لتكديس الوقود.

وتعكس هذه الأرقام حجم التجهيزات التي كانت موجودة في مناطق التنقيب، وتوضح أن بعض الأنشطة لم تكن مجرد أفراد يبحثون عن الذهب بأدوات بسيطة، بل عمليات تحتاج إلى معدات وطاقة ووقود واتصالات وإقامة داخل مناطق التعدين.

من الجبل إلى السوق.. كيف تتحرك دورة الذهب غير المشروع؟

ولفهم حجم الظاهرة، لا بد من النظر إلى سلسلة العمل التي يمر بها الخام قبل أن يتحول إلى ذهب قابل للبيع. ويمكن تقسيمها إلى مراحل رئيسية:

البحث والاستخراج: تبدأ العملية بالبحث عن الصخور الحاملة للذهب داخل المناطق الجبلية، ثم تكسيرها واستخراج المواد المحجرية باستخدام معدات حفر وتكسير، وهو ما يفسر ضبط مئات المعدات الهندسية وأجهزة الكشف عن المعادن.

النقل والتجميع: بعد استخراج الصخور، تُنقل إلى نقاط تجميع أو مواقع معالجة. وهنا تظهر أهمية المركبات والوقود ومحطات الإمداد التي كشفت عنها الحملة، إلى جانب أجهزة الاتصال التي تساعد على التنسيق بين الموجودين في مواقع متباعدة.

الطحن والمعالجة: تُفتت الصخور إلى أحجام أصغر لتسهيل فصل الذهب عن المواد الأخرى. وقد كشفت المضبوطات عن 15 حوضًا للسيانيد، وهي أحواض مرتبطة بعملية استخلاص الذهب كيميائيًا، إلى جانب مواد كيميائية أخرى.

الاستخلاص والتداول: بعد المعالجة، يُفصل الذهب عن المواد الأخرى، ثم يصبح من الممكن نقله وتداوله أو بيعه. وهذه المرحلة هي الأكثر أهمية اقتصاديًا؛ لأنها تنقل النشاط من استخراج خام غير معالج إلى منتج يمكن تحويله إلى قيمة مالية.

لكن يجب التأكيد أن هذه المراحل تشرح طبيعة دورة معالجة الذهب عمومًا، ولا تعني أن السلطات أعلنت توثيق كل مرحلة أو تحديد جميع الجهات التي شاركت فيها داخل الشبكات التي استهدفتها الحملة.

أين كانت تذهب حصيلة التنقيب غير المشروع؟

هذا هو السؤال الأكثر حساسية في القضية، لكنه أيضًا الجزء الذي لا تزال المعلومات المنشورة بشأنه محدودة.

فحتى الآن، لم تعلن الجهات الرسمية كشفًا ماليًا يحدد إجمالي قيمة الذهب الذي استخرجته هذه الشبكات قبل الحملة، أو حجم مبيعاتها، أو أسماء المشترين، أو الدول التي وصلت إليها حصيلة النشاط. كما لم يُعلن عن خريطة مالية تحدد الحسابات أو الوسطاء أو الجهات التي كانت تتولى تصريف الذهب.

وما أعلنه المتحدث العسكري هو ضبط مبالغ مالية وأوراق ثبوتية تخص بعض العناصر الأجنبية، إلى جانب أجهزة اتصال عبر الأقمار الصناعية ومعدات أخرى. كما تحدث عن طبيعة الشبكات العابرة للحدود وارتباط بعض الأنشطة بجرائم أخرى، من بينها تجارة المخدرات والهجرة غير الشرعية وحيازة الأسلحة.

ومن هنا يمكن طرح عدة مسارات محتملة لفهم كيفية انتقال العائدات، دون تقديم أي منها باعتباره مسارًا ثبت حدوثه في هذه القضية:

- البيع داخل السوق غير الرسمية: قد ينتقل الذهب المستخلص إلى وسطاء أو مشترين خارج القنوات المنظمة، لكن لم تُعلن أسماء مشترين أو أحجام مبيعات محددة.

- شبكات النقل والوساطة: قد تتولى أطراف مختلفة نقل الخام أو الذهب المستخلص بين مواقع الاستخراج والتجميع والبيع، لكن لم تُكشف حتى الآن خريطة كاملة لهذه الأطراف.

- الامتداد عبر الحدود: وجود عناصر أجنبية وأجهزة اتصال بالأقمار الصناعية دفع المتحدث العسكري إلى وصف بعض الشبكات بأنها عابرة للحدود، إلا أن ذلك لا يثبت وحده وجهة الذهب أو مسار الأموال.

وبالتالي، فإن الإجابة الدقيقة عن سؤال «أين ذهبت الأموال؟» لا تزال تتطلب نتائج التحقيقات المالية، وتتبع عمليات البيع والتحويلات، وتحديد المستفيدين النهائيين من النشاط.

لماذا تحولت الظاهرة إلى ملف أمني واقتصادي؟

لا تقتصر خطورة التنقيب غير المشروع على خروج الذهب من الإطار القانوني، وإنما تمتد إلى السيطرة على مناطق التعدين، واستخدام السلاح، وتأثير النشاط على المجتمعات المحلية والاستثمارات المرخصة.

ووفقًا للمتحدث العسكري، رصدت القوات 52 تجمعًا للعناصر المسلحة خلال الاستطلاع، كما أشار إلى وقوع اشتباكات بين مجموعات تتنافس على السيطرة على مناطق التنقيب. وكشف المؤتمر كذلك عن استشهاد العقيد أحمد سمير والمقدم أحمد جودة خلال مواجهات مسلحة في نطاق المنطقة الجنوبية.

وعلى المستوى المحلي، تحدثت القوات المسلحة عن شكاوى من الأهالي بسبب وجود عناصر مسلحة بالقرب من التجمعات السكنية، وزيادة الضغط على المياه والوقود والسلع الغذائية، إلى جانب أضرار بيئية تطال التربة والمياه والثروة الحيوانية والزراعية.

وتبرز هنا خطورة استخدام السيانيد خارج منظومة الرقابة؛ فهذه المادة شديدة السمية، واستخدامها بصورة غير آمنة قد يؤدي إلى تلوث المياه والتربة والإضرار بصحة الإنسان والحيوان. لذلك لا يرتبط الملف فقط بحماية الثروة المعدنية، بل أيضًا بحماية البيئة وسلامة السكان.

أين تقع مناطق النشاط؟ ولماذا تركزت الحملة في الصحراء الشرقية؟

استهدفت المراحل الثلاث الأولى مناطق رئيسية بالصحراء الشرقية، أبرزها غرب مرسى علم وجبل إيقات ووادي دبور والبرامية.

ففي المرحلة الأولى، التي جرت بين 14 و30 يونيو، شملت العمليات منطقتين: غرب مرسى علم، بموقعي امتياز تبلغ مساحتهما الإجمالية 1825 كيلومترًا مربعًا، ومنطقة جبل إيقات التي تضم موقع امتياز بمساحة 528 كيلومترًا مربعًا، وفق بيان المتحدث العسكري.

أما المرحلة الثانية، التي امتدت من 31 يوليو إلى 18 أغسطس، فاستهدفت وادي دبور بمساحة تقارب 200 كيلومتر مربع، ومنطقة البرامية بمساحة تبلغ نحو 2300 كيلومتر مربع وتضم خمسة مواقع امتياز.

وجاءت المرحلة الثالثة بين 12 و29 أكتوبر لإعادة تمشيط المناطق التي سبق استهدافها، والتأكد من عودة النشاط الطبيعي للشركات المرخصة. ثم أُعلن بدء المرحلة الرابعة في 7 نوفمبر، واستمرارها حتى تحقيق أهدافها.

المرحلة الرابعة.. هل تكشف خريطة الأموال؟

تتجه أهمية المرحلة الرابعة إلى ما هو أبعد من ضبط معدات جديدة أو منع عودة عمليات التنقيب؛ إذ إن مواجهة الظاهرة بصورة مستدامة تتطلب إغلاق حلقات النشاط كافة، من الاستخراج إلى المعالجة والنقل والبيع.

وقد شملت خطة الدولة التنسيق بين القوات المسلحة ووزارات الداخلية والعدل والبترول والثروة المعدنية والتموين والخارجية، لتحديد مناطق الامتياز القانونية، وملاحقة المخالفات، ومراقبة إمدادات الوقود، واستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بالعناصر الأجنبية.

كما تستهدف الإجراءات إعادة تأمين مناطق التعدين وتهيئة الظروف أمام الشركات المرخصة لاستئناف العمل، مع مراجعة بعض التعاقدات للتأكد من قدرة الشركات على استغلال مناطق الامتياز.

وتكشف مضبوطات «درع الجنوب» عن حجم نشاط غير مشروع يمتلك معدات ثقيلة ووسائل معالجة واتصالات وإمدادات لوجستية، لكن رقم 860 طنًا لا يكشف وحده حجم الذهب المستخلص أو قيمته المالية. وتظل الحلقة الأهم التي تحتاج إلى إجابات هي مسار العائدات: من اشترى الذهب؟ ومن توسط في نقله؟ وهل وصلت حصيلته إلى شبكات خارج الحدود؟

فنجاح المواجهة لا يُقاس فقط بكمية الخام المضبوط أو عدد المعدات المصادرة، بل أيضًا بقدرة التحقيقات على كشف المستفيدين من تجارة الذهب غير المشروعة، وتتبع الأموال الناتجة عنها، ومنع عودة النشاط عبر قنوات جديدة.

أين تركزت عمليات التنقيب؟

امتدت الحملة عبر أربع مناطق رئيسية بالصحراء الشرقية، وفق التوزيع التالي:

- غرب مرسى علم: موقعا امتياز بمساحة إجمالية تبلغ 1825 كيلومترًا مربعًا.

- جبل إيقات: موقع امتياز بمساحة 528 كيلومترًا مربعًا، ويُعد من المواقع المهمة لاحتياطيات الذهب.

- وادي دبور: منطقة تبلغ مساحتها نحو 200 كيلومتر مربع.

- البرامية: تضم خمسة مواقع امتياز بمساحة إجمالية تصل إلى 2300 كيلومتر مربع.

بدأت المرحلة الأولى بغرب مرسى علم وجبل إيقات في يونيو، ثم انتقلت المرحلة الثانية إلى وادي دبور والبرامية بين يوليو وأغسطس، قبل إعادة تمشيط المناطق خلال أكتوبر في المرحلة الثالثة. وأُعلن بدء المرحلة الرابعة في نوفمبر.

من الصخور إلى الذهب.. كيف تعمل الشبكات؟

تبدأ العملية باستخدام أجهزة الكشف عن المعادن والمعدات الهندسية للوصول إلى الصخور الحاملة للذهب، ثم تكسيرها وطحنها لتسهيل استخلاص المعدن.

وبحسب شرح المتحدث العسكري، تُنقل المواد المفتتة إلى أحواض تحتوي على السيانيد، وهي مادة كيميائية تُستخدم في استخلاص الذهب، ثم تُستخدم قضبان الكربون لجذب جزيئات الذهب وفصلها عن المواد الأخرى.

وتكشف المضبوطات عن وجود منظومة لوجستية متكاملة؛ فهناك مولدات كهرباء ومركبات ومحطات وقود و129 نقطة لتكديسه، إلى جانب أجهزة لاسلكية وهواتف تعمل بالأقمار الصناعية. وهي تجهيزات تشير إلى أن النشاط في بعض المواقع تجاوز التنقيب الفردي إلى عمليات تحتاج إلى إمدادات واتصالات مستمرة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً