ads
ads

المشجع الكونغولي.. لقطة صامتة تحكي تاريخا من النضال ودورا مصريا منسيا

المشجع الكونغولي
المشجع الكونغولي

لفت مشجع كونغولي الأنظار خلال مباريات منتخب بلاده في كأس الأمم الإفريقية، ليس بهتاف أو غناء، بل بصمتٍ طويل وهيئة ثابتة تحولت إلى رمز. المشجع الكونطولي ميشيل نكوكا مبولادينغا ظل واقفًا في المدرجات رافعًا يده للأعلى دون حراك، لا يتحرك ولا ينطق، إلا في لحظة تسجيل منتخب الكونغو هدفًا، حيث يكسر الصمت ويحتفل.

هذا المشهد تكرر منذ انطلاق البطولة، إذ ظل مبولادينغا صامتًا لما يقارب 50 دقيقة في كل مباراة، في وضع جسدي بالغ الصعوبة، ما جعل لقطته مثار دهشة المتابعين. إلا أن ذروة الجدل جاءت عقب خروج منتخب الكونغو، عندما سقط المشجع في المدرجات من شدة الإجهاد، لتتحول اللقطة إلى حديث الجماهير، خاصة بعدما قام لاعب منتخب الجزائر محمد الأمين عمورة بتقليد سقوطه، في مشهد فتح باب النقاش على نطاق واسع.

لكن ما لم يكن يعلمه كثيرون، أن وقفة المشجع الكونغولي لم تكن تصرفًا عفويًا أو بحثًا عن الشهرة، بل رسالة رمزية عميقة، مستلهمة من تمثال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أحد أبرز رموز النضال الإفريقي ضد الاستعمار، والذي ارتبط اسمه بقصة تاريخية مؤلمة، كان لمصر فيها دور إنساني وسياسي بالغ الأهمية.

المشجع الكونغوليباتريس لومومبا

لومومبا.. خطاب الدم والنار

حصلت الكونغو على استقلالها من بلجيكا عام 1960، بعد سنوات من الاحتلال القاسي والاستغلال الوحشي للإنسان والثروات. وفي حفل الاستقلال، حاول المسؤولون البلجيكيون تقديم خطاب يمجد “تضحيات” الاستعمار، إلا أن رئيس الوزراء الكونغولي باتريس لومومبا فاجأ الجميع بخطاب تاريخي عُرف لاحقًا بـخطاب الدم والنار، فضح فيه جرائم الاستعمار، وتحدث عن الإهانات والعبودية ونهب الثروات تحت غطاء القوانين الظالمة.

ذلك الخطاب كان بداية النهاية بالنسبة للومومبا، إذ تقاطعت المصالح الدولية على التخلص منه. اندلعت اضطرابات داخلية، وقاد مويس تشومبي تمردًا في إقليم كاتانغا، بدعم خارجي. ومع تصاعد الأزمة، تدخلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي كشف لاحقًا أنها لم تكن محايدة.

الدور المصري.. إنقاذ الأبناء

ضمن قوات حفظ السلام، كانت هناك كتيبة مصرية بقيادة المقدم سعد الدين الشاذلي، الذي دوّن في مذكراته أن تلك القوات، التي كان من المفترض أن تحمي الشرعية، تحولت عمليًا إلى أداة ضغط ضد لومومبا.

ومع اشتداد الخناق، أدرك لومومبا أن نهايته باتت وشيكة، فطلب من الرئيس جمال عبد الناصر حماية أبنائه. هنا لعبت مصر دورًا إنسانيًا بالغ الخطورة، حيث جرى تهريب أبناء لومومبا الثلاثة: فرانسوا، باتريس، وجوليانا، في عملية دبلوماسية سرية أشرف عليها سعد الدين الشاذلي، حصلوا خلالها على جوازات سفر بأسماء مصرية، وانتقلوا عبر السودان قبل وصولهم إلى القاهرة، حيث تكفلت الدولة المصرية بتعليمهم حتى التخرج الجامعي.

نهاية مأساوية

أما لومومبا نفسه، فقد تمت تصفيته بطريقة وحشية. ففي اعتراف صادم عام 1999، أقر ضابط بلجيكي يُدعى جيرارد سويت بأنهم قتلوا لومومبا، وقطّعوا جثمانه بمنشار، ثم أذابوه في حمض الكبريتيك، واحتفظ بأسنانه الذهبية كتذكار. وظلت الكونغو تطالب باستعادتها حتى نجحت في ذلك عام 2022.

ما بعد القصة

لاحقًا، لعب فرانسوا لومومبا كرة القدم في صفوف نادي الزمالك لفترة قصيرة خلال حقبة فاروق جعفر، بينما أصبحت جوليانا لومومبا شخصية سياسية بارزة، وتولت منصب الأمين العام لاتحاد الغرف التجارية الإفريقية.

أما المشجع الكونغولي ميشيل نكوكا مبولادينغا، فقد أوضح أن وقفته الصامتة تمثل تمثال لومومبا الشهير، ورفع اليد للأعلى يرمز إلى الصمود والانتصار وكرامة الشعب الكونغولي، قائلًا عن الزعيم الراحل:'هو من منحنا حرية التعبير عن أنفسنا. ضحى بحياته من أجلنا، لومومبا روح وقدوة، وهو بمثابة فرد من العائلة.'

المشجع الكونغوليالمشجع الكونغوليهكذا تحولت لقطة في مدرجات كرة القدم إلى نافذة على تاريخٍ ثقيل بالدم والتضحيات، وكشفت كيف يمكن للرياضة أن تعيد إحياء الذاكرة، وتذكر بدورٍ مصريٍ إنسانيٍ ظل طويلًا بعيدًا عن الأضواء.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
وزير الخارجية: مصر لن تقبل بتقسيم السودان