اعلان

"رمضان العبد" اللص الذي باع ترام القاهرة بـ200 جنيه وكان سببا في فيلم "العتبة الخضراء"

هل تتذكر عزيزي القارئ فيلم "العتبة الخضراء" والذى تم إنتاجه فى عام 1959م، وقام ببطولته فنان الكوميديا الراحل "إسماعيل يس"، إنه الفيلم الذي تسبب في نوبات من الضحك الهيستيري لمشاهديه بسبب القروى الساذج البسيط، الذى أستغله أحد النصابين بهيئته الأنيقة وامواله التي لا يوجد لها مصدر؛ ليبيع له "ميدان العتبة"، في واحدة من أطرف عمليات النصب التي رصدتها وقدمتها الشاشة الفضية.

إن مشاهدة هذا الفيلم تذكرنا فورا بالمثل الشعبي القائل (عامل زي اللي أشتري التروماي ) كدلالة علي الوقوع في شباك عملية نصب وإحتيال، ولم يخطر ببال أيًا منا أثناء مشاهدة للفيلم أو سماع المثل الشعبي، أن قصة الفيلم مستمدة من قصة حقيقية حدثت قديمًا في مصر، وكانت منبع المثل الشعبي الشهير.

باع الترام

واقعة حقيقة حدثت بالفعل تقريبًا في عام 1946م، بين نصاب شاب يُدعى رمضان أبو زيد العبد، اعتبر فيما بعد واحد من أشهر النصابين في مصر، وشاب قروي بسيط يُدعى «حفظ الله سليمان»؛ لتكتب لكلاهما الخلود الأول كأفضل وأذكى وأشهر نصاب، والثانى كاكثر قروى "على نياته" شهدته المحروسة، وأول شخص يشترى الترام في العالم.

وسجلت جريدة "أخبار اليوم" القصة علي صفحاتها في عددها الصادر بتاريخ 3 يناير 1948، وذاع صيت هذه القصة عالميًا، حتى أن مجلة لندن المصورة نشرت لوحة فنية فى صدر غلافها تجسد تلك القصة، وهي القصة التي الهمت المؤلف "جليل البنداري" فقام بتحويل هذا الحادث الشهير إلى فيلم سينمائي باسم "العتبة الخضراء"، وذلك في عام 1959.

وتم توثيق القصة في كتاب "ترام القاهرة – دراسة تاريخية أدبية إجتماعية" للمؤلف "محمد سيد كيلاني"، والذي صدرت الطبعة الأولى منه منذ أكثر من أربعين عاما، وأعيد طبعه مؤخراً في عام 2010م، ضمن إصدارات سلسة "ذاكرة الوطن"، والتى تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وتفاصيل القصة الطريقة والمثيرة لوقائع بيع «ترام القاهرة» تأتي عقب خروج النصاب "رمضان العبد" من السجن، وهو بعمر 27 عاماً، ليروي للصحافة قصة بيعه الترام لأحد القرويين، في الحادثة التي كانت علي ما يبدو أعظم انجازاته في عالم النصب.

ويقول في روايته أنه كان يركب الترام رقم 30 في شارع القصر العيني، وكان بجواره أحد القرويين البسطاء، الذى يبدو عليه علامات السذاجة المفرطة، فشعر أنه يمكن أن يكون فريسة سهلة له، فبادر النصاب، وأعطاه سيجارة، وبدء النصاب والقروي البسيط يتبادلان أطراف الحديث، وأثناء الحديث عرف منه "العبد"، أنه قروى اسمه "حفظ الله"، جاء للقاهرة ليستثمر المبلغ المالى الذى معه فى عمل خاص يليق به، وأن معه بعض المال، الذي سيمكنه من البدء في العمل.

فعرض عليه النصاب بعض المشاريع، ولكنه رفضها، فأعطاه سيجارة أخرى، وأشعل لنفسه واحدة، وأستغرق في التفكير، وعندها أبدي القروي ملاحظة علي إزدحام الترام، فقفزت الفكرة سريعًا إلى رأسه، فعرض عليه النصاب أن يشتري الترام؛ ليدر عليه مالا وفيرًا؛ لأنه مشروع مضمون، فأبتهج القروي وتحمس للعرض.

وبالفعل قاما سويًا بالتوجه للمحامى للحصول على عقد بيع، حيث استعان النصاب بصديق له يعمل لدى أحد المحامين؛ ليجهز صيغة عقد بيع، بصم عليه القروي المسكين بإبهام يده، فقد كان لا يجيد سوى قراءة الأرقام فقط، وطلب النصاب مبلغ 200 جنيه ثمنًا للترام، مؤكداً للقروي أنه نظراً لكونهما «بلديات» طلب منه هذا السعر القليل في الترام، الذي لا يقل سعره بأي حال من الأحوال لو قرر بيعُه لشخص آخر عن 1000 جنيه مصري.

وبعد المساومة والإلحاح من القروى، الذى أخبره أنه ليس معه سوى 83 جنيها فقط، فعرض عليه النصاب أن يترك له 3 جنيهات، ويأخذ منه 80 جنيهًا، ويختم على كمبيالة بمبلغ 120 جنيهًا، ليكون إجمالى المبلغ 200 جنيه للترام.

وفى ميدان العتبة وقف "حفظ الله" ينتظر بمنتهى اللهفة الترام رقم 30؛ كى يقوم بإستلامه وتشغيله، فبادر النصاب، واتجه إلى مُحصل التذاكر (الكمسارى)، وترك "حفظ الله" مع زميله ليتولى مهمة إلهائه، وأعطى النصاب قرش صاغ كامل للكمسرى، في حين كانت التذكرة حينها بمبلغ 8 مليمات فقط، وطلب من الكمسارى أن يحتفظ بالباقى نظير الأهتمام ببلدياته؛ الذي سينزل في أخر الخط في إشارة إلي القروي "حفظ الله"، لأنه غريب ولا يعرف شيئًا، وسينزل فى آخر الخط.

حرص زميل النصاب على ألا يرى "حفظ الله" من هذا الحوار سوى مشهد الكمسارى وهو يحيى النصاب، الذى ترك له الباقى ليهتم بقريبه القروى، بعدها ربت النصاب على كتف "حفظ الله"، وأخبره أنه عند نهاية الخط عليه أن يذهب إلى المحصل لإستلام الإيراد كاملاً، وإلا سيتم إلغاء البيع، وعليه أن يراقب حركة دفع الركاب بنفسه.

وعند صعود "حفظ الله" نادى النصاب بأعلى صوته على الكمسارى مًحصل التذاكر قائلاً له: خلى بالك، فرد عليه: خلاص فهمت، فأبتسم "حفظ الله"، وقال له النصاب بأعلى صوته أمام الكمسارى: تطالبه بكل الفلوس وإلا نلغى البيع، فهز "حفظ الله" برأسه موافقًا، ولم يفهم الكمسارى شيئًا، وظن أنهما يتحدثان عن صفقة فى البلد.

عند نهاية الخط نبه الكمساري "حفظ الله" بأن عليه النزول، فطلب الأخير الإيراد فدهش الكمساري، وقال له: "إيراد ايه"، فرد عليه: "فاكرنى عبيط"، وزادت دهشة الكمسارى حين قال له "حفظ الله": "ألم يقل أمامك تطالبه بكل الفلوس وإلا نلغى البيع"، وسأل الكمسارى: "بيع ايه"، فرد عليه "حفظ الله" منفعلاً وقد خرج عن شعوره: "أنت هتنصب عليا"، وتطور الأمر إلى خناقة أنتهت فى قسم الشرطة.

وهناك أكتشف القروي "حفظ الله" أنه ضحية واقعة نصب أستغلت بساطته وسذاجته، ولسوء حظ النصاب أن الشرطة كانت تحفظ قائمة سوابقه، فتم القبض عليه، ودخل السجن وأمضى فيه سنتين و6 أشهر.

إقرأ أيضاً
WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً