اعلان

قادة المراجعات الفكرية داخل السجون: مكملين.. عماد علي: الجماعة حبستنا في أحواض مثل سمك الزينة.. "حميدة": البنا كان على باطل.. وكتب الأزهري أعادتنا لصوابنا

خلال الشهور القليلة الماضية، انتشرت على المواقع الإلكترونية والصحف المطبوعة، الحديث عن مراجعات داخل الإخوان، إلا إنه خلال هذه الأيام ظل هناك ضجيج حول حقيقة هذه المراجعات، وأنها تابعة لأحد الفصائل بغرض التسويق لأنفسهم.

ولعرض الحقيقة كاملة، حاورت «أهل مصر» قادة هذه المراجعات التي بدأت من سجن الفيوم، وهم عمرو عبدالحافظ، وأحمد حميدة، وعماد على، والذين كشفوا التفاصيل الكاملة حول المراجعات الفكرية.

* عماد علي: الجماعة حبستنا في أحواض مثل سمك الزينة

ـــ كيف بدأت تجربتك مع جماعة الإخوان؟

تعرفت على الإخوان أثناء المرحلة الجامعية، عندما كنت طالبا، واستمرت لمدة خمسة عشر عاما، وحتى دخولي السجن .

ـــ ما قصة قيادتك ومجموعة من الشباب لمراجعات فكرية؟

الصدمات التي تحدث للإنسان يجب أن توقظه وتجعله ينتبه إلى وجود خلل ما، والأزمة التي تعرض لها الإخوان والتي كنا جزءا منها واسقطتهم من سدة الحكم إلى السجون، كانت لابد أن تثير سؤال "لماذا"؛ وفي إطار البحث عن إجابة لهذا السؤال، بالنظر في الواقع وإعادة تقييم الفترة السابقة، وممارسات الإخوان السياسية بعد ثورة يناير، وبالانفتاح على أفكار أخرى مخالفة للأفكار المؤسسة للجماعة؛ وصلنا إلى وجود الكثير من الأخطاء التي ارتكبها الإخوان والتي ساهمت بشكل كبير فيما وصلنا إليه من نتائج.

ـــ كيف بدأتم؟

الممارسات ناتجة عن أفكار يجب مراجعتها، وبدأنا في طرح هذه الأفكار مع بعض، من لديه استعداد للتفكير والنقد الذاتي، وتواصلنا مع قيادات الإخوان فى السجن حول ضرورة مراجعة المواقف السياسية، والمنطلقات الفكرية للجماعة والبحث في الأخطاء التي وقعت فيها ووضع تصور ورؤية للخروج من الأزمة وإنهاء هذا الصراع الذي يضر الوطن؛ لكن – كعادة الإخوان – رفضوا ذلك تماما، معللين ذلك بأن هذه محنة لا دخل لهم بها وإن الله ناصرهم لا محالة، وبالتالي قررنا ترك التنظيم نهائيا، وأعلنا ذلك بعدها بفترة في بيان نشر في بعض المواقع الإلكترونية .

ـــ كيف استقبلت قيادات التنظيم ذلك ؟

استقبلوه بالرفض التام لفكرة المراجعات ذاتها، وقاموا بالعديد من الممارسات التي تحول دون التأثير على أفراد التنظيم؛ بداية من التشويه وكيل الاتهامات لنا بالعمالة للأمن والخيانة والتنازل عن المبادئ، مرورا بتحذير وتهديد أعضاء الجماعة من السماع لنا أو الحديث معنا، وتحريض بعض الأفراد للتعدي علينا بالأيدي، ونهاية بمحاولة إخراجنا بالقوة من عنبر السياسيين إلى عنابر المساجين الجنائيين .

ـــ كم عدد المنضمين حتى الآن ؟

في البداية كان المنضمون بشكل معلن حوالي 15% من إجمالي عدد السجناء السياسيين، والعدد يزداد يوما بعد يوم، مع الأخذ في الاعتبار خوف الكثيرين من الإعلان عن ذلك خشية التعرض لمضايقات من الإخوان .

ـــ هناك من يتهمكم بإجراء المراجعات بهدف الخروج من السجن ؟

أولا السجن ليس هدفا، والخروج منه رغبة لدى أي إنسان طبيعي، هذه فطرة فالإنسان خلق حرا، ولكن هذه الأفكار جاءت نتيجة مراجعات حقيقية استمرت مدة عامين داخل السجن، وأصحابها لديهم حجتهم واراؤهم القائمة على أسانيد، فالأمر ليس مجرد تنصل من الإخوان للخروج من السجن فقط، ولكنه انفصال له أسبابه التي نقتنع بها، ويستطيع أي متخصص في هذا الشأن أن يتحاور معنا ويعرف ما إذا كانت هذه مراجعات حقيقية أم لا .

ـــ ما الخطوات المقبلة التي ستتخذونها ؟

ما نملكه الآن هو محاولة نشر هذه الأفكار، ومناقشة من لديه تقبل لثقافة النقد الذاتي واستعداد لتغيير القناعات.

ـــ هل هناك تنسيق بينك وبين باقي فريق المراجعات ؟

بالطبع فنحن بمثابة فريق عمل واحد وعلى تواصل مستمر.

ـــ يتردد أن ثمة محاولات أمنية لمساندتك؟

نحن أعلنا عن أفكارنا بتحرك ذاتي، وعندما علم الأمن بها تواصل معنا، وحقق في الأمر؛ للوقوف على مدى جديته، وبالفعل تحقق من جديتها بعد مناقشات استمرت لفترة .

ـــ ما سبب انتشار المبادرات في السجون ؟

الواقع المزري الذي وصلت إليه الجماعة، مع عدم وجود رؤية للخروج من الأزمة وإدراك أفرادها للأخطاء التي ارتكبتها الجماعة جعل الكثيرين ينفضون من حولها.

ـــ هل خضتم أية مناظرات مع قيادات الإخوان حول مراجعاتكم؟

التربية الإخوانية تهتم دائما بصناعة «التابعين» الذين يتحلون بالسمع والطاعة، وقيادات الجماعة تفتح ذراعيها وتحتضن أبناءها طالما أنهم لا يكلفونها عناء النقاش وجهد الحوار والإقناع، أما فى حالتنا التى ميزها تمردنا على سياساتهم وقناعاتهم، فإن المناظرات التى تستجلى الحقائق وتكشف المستور من أوهامهم لن يمتلك أحدهم جرأة إجرائها فى الجلسات المغلقة، فضلًا عن المناظرات العلنية.

ـــ خلال السنوات الماضية كلما خرج أحد عن الجماعة، اعتبرته منشقًا .. فهل أنتم كذلك؟

بالطبع نحن اتخذنا قرارًا واضحًا بالاستقالة تمامًا من الجماعة، وأبلغت مسئول الإخوان هنا فى السجن بقرارى هذا فور اتخاذى له مباشرة.

ـــ بما أنك شاركت في جماعة الإخوان قبل وبعد المراجعات.. كيف ترى نفسك؟

الأمر يشبه سمكة الزينة البائسة حبيسة الصندوق الزجاجى، والأخرى التى ترتع فى المحيط مستمتعة بجمال الملكوت.

* عمرو عبد الحافظ: قادة جماعة الإخوان ضربونا بالسجن

ـــ عمرو عبد الحافظ منذ متى جاء في خاطرك فكرة مراجعة الأفكار؟

بدأت إرهاصات المراجعات الفكرية بسجن الفيوم العمومي قبل عامين، حينما طلب بعض شباب الإخوان من قيادات الإخوان بالسجن عمل ورش عمل للنقد الذاتي تتم فيها مراجعة مواقف الجماعة السياسية منذ أحداث 25 يناير 2011، وحتى اللحظة؛ للوقوف على الأخطاء التي أوصلت الجماعة إلى ما هي فيه من سجون ومطاردة وتشريد وأوصلت مصر إلى ما تعانيه من تبعات الصراع السياسي.

ـــ كيف استقبلت القيادات الفكرة؟

قيادة الجماعة بالسجن رفضت ذلك وأصرت على خطاب المظلومية وتبرئة نفسها من أية مسئولية أو خطأ.

ـــ ماذا فعل الشباب بعد الإعلان عن المراجعات؟

بعد اكتمال المراجعات اتجهوا في خطين متوازيين؛ الأول تدوين نتائج هذه المراجعات في كتب، وقد أنجزوا في ذلك الكتاب الأول وفي طريقهم لإنجاز الثاني.. والخط الآخر هو نشر هذه الأفكار بين السجناء السياسيين بسجن الفيوم العمومي؛ حتى تشكل بمرور الوقت رأي عام بين السجناء يؤيد نتائج هذه المراجعات.

ـــ لماذا الشباب دون غيرهم؟

قرر الشباب أن يخوضوا تجربة المراجعة بأنفسهم، فتداولوا فيما بينهم كتبا تعين على المهمة، ونظموا ورش عمل ومنتديات فكرية وسياسية لبحث الأمر، وقسموا مراجعاتهم إلى محورين رئيسين؛ محور المواقف السياسية للجماعة، ومحور المنطلقات الفكرية التي يتبناها التنظيم منذ تأسيسه سنة 1928.

ـــ ما رد فعل الإخوان داخل السجون؟

قبل أن نقرر العمل في المراجعات الفكرية، طالبنا جماعة الإخوان بتبنى مشروع المراجعات، ولكنهم رفضوا، فقررنا خوض التجربة بأنفسنا بعيدا عن التنظيم، فلجأ الإخوان إلى عدة حيل لصرفنا عن هدفنا؛ منها محاولة احتوائنا وإقناعنا أن المراجعات سوف تشق الصف وتحدث نوعا من الخلاف والفرقة، ولم نقتنع وأصررنا على الاستمرار لقناعتنا بأن المراجعة واجب الوقت.

ـــ أي السجون تم اطلاق المبادرة منها؟ وعدد القائمين عليها؟

هنا تم الإعلان عن وجود مجموعة السجناء المستقلين بسجن الفيوم في بيان صدر يوم 10 يوليو 2017 وتضمن إعلان استقلالهم عن جماعة الإخوان، وأنهم لم يعودوا جزءا من الصراع بين الإخوان ومؤسسات الدولة.

ـــ ما طموحات الشباب الذي شاركوا في المراجعات الفكرية؟

يهدفون مستقبلا إلى مزيد من نشر مراجعاتهم داخل السجن وخارجه؛ بهدف تصحيح الأفكار التي تتسبب في نشوب الصراع بين هذا النوع من التنظيمات وبين الدولة، آملين أن يكونوا جزءا من حل الأزمة التي تمر بها مصر، وسببا في تقليل احتمالات حدوث مثل هذه الأزمات في المستقبل.. كما يهدفون إلى أن يقدموا نموذجا ناجحا تقتدي به بقية السجون المصرية.

ـــ الشهر الماضي نشر عنك أنكم تعرضتم لإيذاء.. فهل هذا حقيقي؟

نعم، فقد بدأوا فى محاولات منعنا من الحديث إلى السجناء، وإطلاق حملة شائعات ضدنا بهدف صرف السجناء عنا، ولما لم يفلحوا فى كل ذلك واستقام مشروعنا ووجد رأيا عاما مساندا لم يجدوا ما يواجهوننا به إلا الشتم والتجريح وادعاء أننا نحارب الدين، حتى وصل بهم الارتباك إلى الاعتداء علينا بالأيدي.

ـــ وما تفاصيل تلك المراجعات؟

المراجعات تتم عن طريق طرح الأسئلة الكبرى التي تخص المواقف السياسية للجماعة، ومنطلقاتها الفكرية ثم جمع المراجع اللازمة وقراءتها فرادى، ثم مناقشتها في ورش عمل صغيرة ثم طرحها في منتديات عامة لمزيد من النقاش، ثم استخلاص أهم النتائج وتدوينها ثم نشر هذه الاستخلاصات بين السجناء في لقاءات ننظمها الى جانب نشر هذه الافكار في مقالات وكتب.

ـــ هل يقوم الأمن بتسهيل هذه المراجعات؟

لم يحدث مطلقًا.. فكل ما قمنا به،هي مجهودات ذاتية، ولم تكن أجهزة الدولة على علم بها؛ لأننا كنا نتحرك داخل السجن ونلتقى بصورة طبيعية كما هو متاح لكل السجناء، ثم أعلنا عن أفكارنا وعن وجودنا فى وسائل الإعلام واستطعنا التواصل مع بعض العلماء والمفكرين والباحثين.

وبعد الإعلان، انتبهت أجهزة الدولة لشيء يجرى داخل سجن الفيوم، فبدأت فى فحص الملف والتحقيق معنا بهدف التأكد من مدى جدية هذا الإعلان، وهل هو مراجعة حقيقية أم مجرد مناورة بهدف الخروج من السجن، وتأكدت بعد فترة التحقيق من جدية المراجعات، خاصة بعد أن اطلعت على كتاباتنا المنشورة.

* "حميدة": البنا كان على باطل.. والبلاد الإسلامية ليست دار حرب

ـــ أحمد حميدة كيف أعدتم تقييم أفكاركم؟

النقد أرشدنا إلى إعادة تقييم أفكار حسن البنا وسيد قطب، من خلال ما كتبه الدكتور عبدالله النفيسي، والشيخ راشد الغنوشي، والدكتور سعد الدين العثماني، والدكتور محمد عمارة، بالإضافة إلى كتاب «الحق المبين» للدكتور أسامة الأزهرى، الذي فند فيه أفكار سيد قطب بطريقة علمية.

ـــ ماذا اكتشفتم؟

اكتشفنا أن نظرية التغيير عند البنا التى انتهجها ليست واقعية، ويستحيل تطبيقها فى هذا العصر، وبدأنا فى تشريح هذه الأفكار ووضعها على طاولة الحوار والمناقشة، وكان الكتاب الرائد لنا فى هذه المراجعة، هو «أزمة التنظيمات الإسلامية- الإخوان نموذجا» للدكتور جاسم سلطان.

وتطرقنا إلى القضايا التى كانت بالنسبة لنا بمثابة مسلمات مثل قضية «الشمولية»، وأيضا قضية ربط الدين بالتنظيم، وكيف أن الجماعة تربط أو تخلط بين فهمها للدين والدين نفسه، وكيف أن البنا رسخ بمقولاته التى تبنتها بعض الحركات الإسلامية أن العالم دار حرب، ولم يعد دار دعوة أو دار عهد، وهذا ما يقود الجماعة دائما إلى نتائج كارثية، وقضايا أخرى مثل الخلافة، والمواطنة، ومركزية الحكم.

ـــ كيف قمتم بالمراجعات؟

شملت محورين؛ الأول مراجعة المواقف والممارسات السياسية، ووجدنا الكثير من الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة كعدم حرصها على وجود حالة توافق وطني، وأنها كانت حريصة على تحقيق الكثير من المكاسب، والسيطرة على العديد من المؤسسات ( برلمان - رئاسة) دون اعتبار لضرورة التوافق مع باقي التيارات الأخرى، كذلك سوء إدارة الدولة في فترة حكم محمد مرسي، كذلك سوء تقدير حجم الغضب الشعبي، وعدم اتخاذ إجراءات من شأنها نزع فتيل الأزمة كإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، كذلك الدخول في صدام مع الدولة بعد 3 يوليو دون مراعاة لموازين القوى، وحرص على المصلحة الحزبية الضيقة على حساب مصلحة الوطن، والثاني مراجعة المنطلقات الفكرية التي تقوم عليها الجماعة والتي يتمثل بعضها في مفهوم الإخوان عن الدولة في الإسلام، ومفهوم الخلافة، ونظرية التغيير التي وضعها البنا للوصول لذلك، ونظرة الجماعة للمجتمع والأمة ودورها ومكانتها في الشريعة، ومفهومها عن المواطنة، كذلك فكرة وجود تنظيم شمولي يخلط بين نفسه وبين الدين إلى درجة يجعل التنظيم هو الدين وليس فهما معينا للدين قد يصيب أو يخطئ .

ـــ البعض يتهمكم بالتعامل مع الأمن.. كيف يتم عقد المراجعات؟

المراجعات تتم في اللقاءات بين السجناء، وعقد الندوات في ساحة التريض واقتناء الكتب متاح للجميع، ولا يحتاج إلى تصريح رسمي، سننشر ما أنجزنا من كتب، وبصدد تأليف كتب أخرى، ونشر الأفكار الجديدة بين السجناء لا يتوقف داخل سجن الفيوم، فآخرون بسجون أخرى سمعوا بمراجعاتنا، ونبحث عن طريقة لتوصيل كتاباتنا لهم ليطلعوا عليها، وبمجرد خروج بعضنا من السجن سنعمل على نشر أفكارنا خارج السجون في ربوع مصر كلها.

ـــ هل تتوقع أن يتم تخفيف الأحكام بعد هذه المراجعات؟

نحن نقوم بهذه المراجعات؛ لتصحيح الأفكار، وبدافع من حرصنا على مصلحة الوطن وليس بدافع الخروج من السجن.. وكثيرون منا لم تصدر بحقهم أحكام حتى الآن وما يزالون قيد المحاكمة.

ـــ ما أهم نتائج هذه المراجعات؟

خرجنا بقناعات كثيرة منها أن هذه التنظيمات تخلط بين نصوص الدين المقدسة التى تخص الأمة، وبين أدبيات التنظيم، ذلك الاجتهاد البشرى المحدود، وخرجنا أيضا بأن للحقيقة وجوها وليس لها وجه واحد، واقتنعنا أيضا بأنه ليست هناك نظرية كاملة فى التغيير؛ لأنه اجتهاد بشرى محض، وأنه لابد من الاستفادة من التجارب الأخرى، وعدم الجمود على شكل واحد من أشكال التغيير.

نقلا عن العدد الورقي.

إقرأ أيضاً
WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً