تحدث إيفان جيشاوا – محاضر متخصص في شؤون منطقة الساحل الإفريقي بجامعة كينت البريطانية وحاصل على شهادة مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس – عن فوز رئيس النيجر المنتهية ولايته محمدو إيسوفو بفترة رئاسية ثانية بعد حصوله على أكثر من 92 % من أصوات الناخبين أمام منافسه الرئيسي مرشح المعارضة هاما أمادو الذي أدار حملته الانتخابية من السجن فى الانتخابات التى جرت فى مارس الماضى.
وقال جيشاوا – في حوار أجرته معه صحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية – إن الرئيس إيسوفو يعطي انطباعا سيئا مع بداية ولايته الثانية إذ لا تتوافق النتيجة المذهلة التي حصل عليها مع الشرعية التي منحت له. وانتقصت المعارضة كثيرا من هذا الفوز حينما رفضت اليد الممدودة لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
وتساءل الباحث إيفان جيشاوا: ماذا كانت تعني كلمة سر المعارضة "الامتناع" عن التصويت؟ وكيف يمكن تفسير المغزى وراء هذه الرسالة؟ وكيف سيكون رد فعل الشعب النيجري الذي لا ينصت أحد إلى مطالبه؟. الأمر الوحيد المؤكد هو أن هموم هذا الشعب اليومية بعيدة تماما عن اهتمامات النخب السياسية، من احتياجاته للكهرباء وأبار المياه ومشاريع البنية التحتية والمدارس وغيرها. إن المنظمات غير الحكومية تدير – بمساعدة السكان المحليين – شئون الحياة اليومية بينما تختفي الدولة تماما عن الساحة ويزداد انعدام الثقة في النخب.
ويشعر جيشاوا بعدم حدوث تطور ملموس عقب الانتخابات الرئاسية لاسيما في الممارسات السياسية. كان الرئيس إيسوفو خلال فترة حكمه الأولى شخصا يمكن عقد الآمال عليه في مجال الديمقراطية وشفافية الحكم نوعا ما، إلا أن إيسوفو خيب أمل مواطنيه وانتهج في نهاية الأمر ممارسات مشابهة لمن سبقوه في الحكم. وهو ما يدعو إلى صعوبة "الفرز" بين "الأخيار والأشرار" ضمن طبقة الساسة النيجريين لأنه من الملاحظ عدم وجود مراجعات جوهرية لتلك الممارسات بين النخب السياسية. في الحقيقة، بمجرد رؤية مرشح يثير الأمل في نفوس ناخبيه، ينتهي الأمر بعد بضع سنوات من الحكم بأن يخذلهم.
وأشار أيضا إلى الحيل القديمة في معظمها التي يلجأ إليها الساسة في النيجر وما تشهده الساحة السياسية في العاصمة نيامي حيث يمكن رصد نوعا من الشعور المتنامي بالاغتراب للشعب مع انعدام الثقة بين المواطنين ونخبهم السياسية إذ يرون أن سياساتهم تشكل مصدرا للانقسامات.
يبدو الوضع خارجا عن المألوف حينما يودع مرشح للمعارضة في الانتخابات الرئاسية يعاني من مشاكل صحية داخل السجن، وهو قد يكون سببا منطقيا لمقاطعة المعارضة للانتخابات لكن فيما يتعلق بعمليات التزوير، ليس من المؤكد امتلاك المعارضة الكثير من الأدلة على حدوثها. ذلك يعني أنه يمكن تخيل أنه في ظل نظام رئاسي أن من يتولى الحكم يمكنه أيضا التحكم في الولاءات المحلية وهو أيضا في وضع قوي يمكنه من الفوز في الانتخابات الرئاسية.
وعبر إيفان جيشاوا عن شكوكه في المعارضة ومواقفها إذ كان البعض من المعارضين يطالب من قبل بتعديل الدستور للسماح للرئيس السابق مامادو تانجي، الذي أطيح بحكمه إثر انقلاب عسكري عام 2010، مواصلة الحكم لفترة رئاسية ثالثة. ويقصد جيشاوا من ذلك أن المعارضين أنفسهم ليسوا بالضرورة قدوة يمكن أن تحتذى في مجال الحكم الديمقراطي.
وعن الحوار بين النظام الحاكم والمعارضة، يرى الباحث جيشاوا أن هناك مسافة فاصلة بين الطرفين. فاليد الممدودة من السلطة للمعارضة من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية – وهو ما رفضته المعارضة – ليست صادقة ولا مبشرة بالخير. لقد فاز الرئيس إيسوفو، وفي أفضل السيناريوهات المتوقعة قد يمنح بعض قادة المعارضة الفتات لإرضاء مطامعهم الشخصية. وذلك لن يفضي إلى حكومة "وحدة" بالمعنى الذي يمكن للقوى الوطنية الفاعلة أن تجتمع حوله. هذا النمط من أداء الساسة في النيجر يعد راسخا ومألوفا. فمنذ المؤتمر الوطني الذي عقد عام 1991، تمضي النخبة السياسية وقتها في الانتقال من معسكر إلى آخر والدخول في تحالفات تحت اصطلاحات مبهمة من وجهة نظر المواطنين. تتغير الأراء وتعقد الصفقات، وتنهار التحالفات لأسباب غير معلومة. واقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية ليس سوى امتداد لهذا النوع من التكتيكات. إن حيلة "تفتيت" الأحزاب العام الماضي لم تكن سوى محاولة للسيطرة على القادة داخل كل حزب من أحزاب المعارضة. وأتت هذه الحيلة ثمارها بطريقة مذهلة في مرحلة الإعداد للحملة الانتخابية في انتخابات الرئاسة الأخيرة.
وأوضح جيشاوا أن هناك وجود للمجتمع المدني في النيجر ولكنه ليس بمنأي عن إغراءات السلطة. ويمكن النظر إليه في أحيان كثيرة باعتباره غرفة انتظار السلطة أو استراحة لدوائر الحكم. من هنا تنشأ مسارات متقاطعة بين الطرفين لا تنتهي، وذلك بين أناس لا تختلف مواقفهم الأيديولوجية كثيرا. وهو ما يفسر خيبة الأمل في شخص الرئيس محمدو إيسوفو الذي كان يميل إلى اليسار الاشتراكي وكان بوسعه التعبير عن توجهاته إلا أن كل هذه الشعارات تتداخل في نهاية الأمر وتفقد معناها عند النظر إلى ممارساته السياسية.
أما بالنسبة للجيش النيجري، فإنه لا يعاني حالة الميوعة التي أصابت الجيش في مالي عام 2012 إبان سقوط الرئيس السابق أمادو توماني توري إثر انقلاب عسكري. وأهم ما يميز النيجر في هذا الصدد هو أن الجيش يلعب دور "المصلح" في أساليب الإدارة السياسية. وعندما يترك أحد الرؤساء العنان "لأجندته" الشخصية، فإنه يعرض نفسه لما يمكن تسميته "عقاب جمهوري" يعقبه فترة انتقالية. ويفوز الجيش ببعض "المزايا" من هذه "المرحلة الانتقالية" ليسلم السلطة لاحقا إلى نظام أكثر ديمقراطية. ويمكن رؤية ذلك الأمر قبل إجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في النيجر حينما أراد الرئيس المنتهية ولايته محمدو إيسوفو أن يضمن ولاء الجيش من خلال محاولة الانقلاب الفاشلة التي قيل إنه تعرض لها في ديسمبر الماضي.
وعن الدور الفرنسي على الساحة السياسية في النيجر، يرى إيفان جيشاوا أن فرنسا تعتمد على الرئيس إيسوفو لأسباب إستراتيجية حيث تراه شريكا مخلصا لدرجة أن إيسوفو يدير الوضع الأمني في النيجر عن طريق خبراء فرنسيين. كما أنه شريك متميز من وجهة نظر باريس لأنه تولى الدور الذي كان يلعبه من قبل رئيس بوركينا فاسو المخلوع بليز كومباوري في الوساطة بين دول المنطقة فيما يعرف بالدبلوماسية غير الرسمية.