يُعتبر المجتمع الدرزي في سورية عنصرًا محوريًا يمكن أن يكون قوة داعمة للوحدة الوطنية أو عامل تفرقة، حسب طبيعة البيئة السياسية المحيطة بهم. تاريخيًا، شهد الدروز انقسامات سياسية متكررة، لكنها غالبًا ما بقيت على مستوى المواقف الفكرية والسياسية دون أن تتحول إلى صراعات عسكرية داخلية، بفضل ما يُعرف بـ«صخرة الوحدة الاجتماعية» التي تجمعهم حول الهوية التاريخية والاجتماعية والعقائدية، وأهمها مبدأ حفظ الذات الجمعية.
المبادئ الدرزية والهوية الجماعية
يركز المبدأ الثاني من مبادئ الدروز السبعة، المعروف بمبدأ «حفظ الإخوان»، على ضرورة تماسك الطائفة كآلية دفاعية ضد التهديدات الخارجية، إذ يُسمح بالاختلاف السياسي، لكن لا مكان للاقتتال الداخلي. وعندما تتوحد الطائفة سياسياً في مواجهة خصم مشترك، تتحول إلى قوة عسكرية فعالة.
شذرات تاريخية من المواقف العسكرية والسياسية
تاريخيًا، شارك الدروز في معارك كبيرة إلى جانب قادة تاريخيين، مثل حروبهم ضد الصليبيين بقيادة زهر الدولة كرامة التنوخي، ومعركة حطين إلى جانب صلاح الدين الأيوبي، وكذلك في مواجهة المغول ضمن جيوش المماليك بقيادة زين الدين التنوخي في معركة عين جالوت.
وفي مواجهة القوى الأجنبية الحديثة، برز الدروز كوحدة قتالية خلال محاولة إبراهيم باشا من مصر تجنيدهم في الفترة ما بين 1836 و1838، كما رفضوا المشاركة في مشاريع استعمارية أجنبية، مع الحفاظ على مطالبهم بالاستقلال الذاتي ضمن الإطار الجغرافي السوري، كما حصل خلال فترة الانتداب الفرنسي ومرحلة الثورة الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش بين 1925 و1927.
حتى منتصف القرن العشرين، استمر الدروز في الدفاع عن وحدة الأراضي السورية، متأثرين بعوامل محلية وسياسية، وفي مواجهة محاولات إسرائيل إنشاء دولة درزية تمتد من السويداء إلى الشوف اللبناني، تصدى الدروز لهذه المبادرات وحافظوا على هويتهم الوطنية.
الدروز والثورة السورية
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انقسم الوسط الدرزي بين مؤيد للثورة ومناصر للحياد، ومع مرور الوقت وانعكاس الانتهاكات والتوجه نحو التطرف، تبنى جزء كبير من الدروز موقف الحياد، مع تشكيل قوات دفاع ذاتي لمواجهة التهديدات المحتملة من تنظيمات مسلحة مثل «داعش». ورغم ترحيب النظام بالحياد، تسببت محاولات النظام فرض السيطرة الكاملة على السويداء في توترات مستمرة منذ عام 2015، حيث حافظت المحافظة على استقلاليتها الفعلية من خلال قواتها المحلية.
التيارات الدرزية المعاصرة
يعيش الوسط الدرزي اليوم حالة من الانقسام إلى ثلاثة تيارات رئيسية:
تيار حكمت الهجري: مطلق الراديكالية ويدعو للانفصال عن سورية أو إقامة حكم ذاتي أو الانضمام إلى إسرائيل.
تيار ليث البلعوس: يدعو لوحدة الجغرافية السورية والتقرب من الحكومة المركزية عبر المفاوضات والثقة المتبادلة.
التيار الوسطي: بقيادة شيخا العقل يوسف جربوع وحمود الحناوي، يرفض التطرف والانفصال، ويطالب السلطة السورية بالاستجابة لمطالبهم ضمن إطار إعادة بناء سورية الجديدة بوحدة جغرافية وتنوع سياسي وثقافي.
وقد اتحدت هذه التيارات ضد أي تجاوزات أو انتهاكات تمارسها قوات الحكومة السورية في السويداء، ما أدى إلى تشكيل جبهة درزية عسكرية موحدة للحفاظ على مصالح الطائفة ومواقفها السياسية.
خلاصة
يمكن القول إن الدروز في سورية إما أن يكونوا قوة داعمة للوحدة الوطنية، أو عامل تفرقة حسب طبيعة البيئة السياسية المحيطة بهم. ويعود هذا الاضطراب الهوياتي ليس إلى الطائفة نفسها، بل إلى سلوك البيئة السياسية الأكبر وتأثيرها على الأقليات. ومعظم الانخراطات الاستثنائية للدروز في مشاريع خارجية تظل مرتبطة بمثل هذه الظروف الاستثنائية، كما هو الحال اليوم مع بعض المواقف في السويداء.
ويظل الطريق الأمثل لتعزيز الاستقرار والاندماج الكامل للأقليات في الدولة السورية هو اعتماد دولة ديمقراطية ليبرالية أساسها المواطنة الكاملة، بعيدًا عن الاستئثار بالسلطة أو استخدام مظاهر المظلومية الطائفية كأداة سياسية.