شكّلت دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، على مدى أكثر من قرن، إحدى أكثر ساحات النفوذ العسكري والسياسي الأمريكي حساسية واضطرابًا. فمنذ مطلع القرن العشرين، نفذت الولايات المتحدة سلسلة طويلة من التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، بذَرائع تراوحت بين حماية المصالح الأمريكية، ومكافحة الشيوعية، ونشر الديمقراطية، وصولًا إلى مكافحة المخدرات. غير أن هذه التدخلات خلّفت، في المقابل، إرثًا ثقيلًا من عدم الاستقرار السياسي، والانقسامات الاجتماعية، وترسيخ الفساد، ودعم أنظمة ديكتاتورية في عدد من دول المنطقة.
نيكاراجوا: دعم حكومات موالية وقمع المقاومة
مع صعود الولايات المتحدة قوةً عالمية في بدايات القرن العشرين، تبنّت واشنطن ما عُرف بسياسة “العصا الغليظة”، التي أتاحت لها التدخل العسكري المباشر في دول الجوار. ففي نيكاراغوا، أُرسلت القوات الأمريكية بين عامي 1912 و1933 لدعم حكومات موالية وقمع حركات المقاومة، وعلى رأسها حركة الزعيم أوغستو ساندينو.
ورغم إنهاء الاحتلال رسميًا عام 1933 في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت، ضمن سياسة “حسن الجوار”، عادت واشنطن في ثمانينيات القرن الماضي لدعم ميليشيات “الكونترا” المسلحة، في محاولة لإسقاط حكومة الساندينيين اليسارية.
هايتي: احتلال طويل بذريعة الاستقرار
في عام 1915، احتلت الولايات المتحدة هايتي عقب مقتل الرئيس فيلبـرون غيوم سام، حيث نزلت قوات من مشاة البحرية الأمريكية إلى العاصمة بورت أو برنس بأمر من الرئيس وودرو ويلسون.
استمر الاحتلال حتى عام 1934، عندما غادرت آخر القوات الأمريكية البلاد بعد نقل شكلي للسلطة إلى الجيش الهايتي، في خطوة أنهت وجودًا عسكريًا ترك آثارًا عميقة على بنية الدولة والاقتصاد.
جمهورية الدومينيكان: السيطرة على الدولة ومقدّراتها
امتد الاحتلال الأمريكي لجمهورية الدومينيكان بين عامي 1916 و1924، وسيطرت خلاله البحرية الأمريكية على مفاصل الدولة الرئيسية، بما في ذلك الجيش والشرطة. ورغم المقاومة المحلية، تمكنت واشنطن من فرض نفوذها، قبل أن تنسحب مقابل اتفاقات تضمن سيطرتها على العائدات الجمركية ودعمها مرشحين موالين لها في السلطة.
غواتيمالا: إسقاط حكومة منتخبة
في عام 1954، أطاحت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بحكومة الرئيس المنتخب ديمقراطيًا جاكوبو أربينز، بعد شروعه في إصلاحات زراعية مست مصالح شركة “يونايتد فروت” الأمريكية.
وأفضى التدخل إلى تنصيب ديكتاتورية عسكرية بقيادة كارلوس كاستيلو أرماس، فاتحًا الباب أمام عقود من الحكم الاستبدادي والعنف السياسي بدعم أمريكي.
كوبا: فشل غزو خليج الخنازير
شهدت كوبا واحدة من أشهر محاولات التدخل العسكري الأمريكي، عندما أطلقت واشنطن عملية غزو عبر خليج الخنازير، تمهيدًا لإسقاط حكومة فيدل كاسترو.
ورغم القصف الجوي المكثف للمطارات الكوبية، فشلت العملية بعد أن تبيّن أن الكوبيين كانوا على علم مسبق بالغزو، ما أدى إلى هزيمة القوات المهاجمة خلال أيام، في واحدة من أبرز الإخفاقات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
تشيلي: دعم انقلاب بينوشيه
في عام 1973، دعمت الولايات المتحدة انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه ضد الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي، في تدخل غيّر المسار السياسي والاقتصادي لتشيلي.
واعترفت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون لاحقًا بدورها في تهيئة الظروف للانقلاب، وقدّمت دعمًا مباشرًا للمجلس العسكري الذي حكم البلاد بقبضة أمنية لسنوات طويلة.
بنما: إسقاط نورييغا بالقوة
عام 1989، غزت القوات الأمريكية بنما للإطاحة بالجنرال مانويل نورييغا، الحليف السابق لواشنطن، بذريعة تورطه في الاتجار بالمخدرات.
أسفر الغزو عن مئات القتلى المدنيين، وأعاد رسم المشهد السياسي في البلاد، مع احتفاظ الولايات المتحدة بقواعد عسكرية ومواقع استراتيجية لحماية قناة بنما ذات الأهمية الحيوية.
فنزويلا: من العزل السياسي إلى التدخل العسكري
في السنوات الأخيرة، صعّدت واشنطن ضغوطها على فنزويلا عبر العقوبات الاقتصادية ودعم محاولات عزل الرئيس نيكولاس مادورو، بما في ذلك دعم زعيم المعارضة خوان غوايدو عام 2019.
وفي تطور غير مسبوق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت 3 كانون الثاني/يناير 2026، القبض على مادورو وزوجته وترحيلهما جوًا خارج البلاد، عقب ضربات جوية استهدفت مواقع حيوية في العاصمة كاراكاس.
وبررت واشنطن خطوتها باتهام مادورو بإدارة “دولة مخدرات” وتزوير الانتخابات، فيما اتهمت القيادة الفنزويلية الولايات المتحدة بالسعي للسيطرة على احتياطيات البلاد النفطية، الأكبر عالميًا.
إرث ثقيل ومستقبل مفتوح
على امتداد قرن كامل، أسهمت التدخلات العسكرية الأمريكية في تشكيل تاريخ أمريكا اللاتينية والكاريبي، لكنها في الوقت نفسه خلّفت أزمات بنيوية عميقة لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، وسط جدل متواصل حول دور واشنطن وحدود تدخلها في شؤون دول الجوار.