سلّطت صحيفة «واشنطن بوست» الضوء على جملة من الأسئلة المفتوحة التي تفرض نفسها على المشهد الفنزويلي بعد إطاحة الرئيس نيكولاس مادورو، في ظل دور أميركي غير مسبوق في إدارة المرحلة الانتقالية. ورأى تقرير لهيئة تحرير الصحيفة أن ما جرى لم ينهِ حالة الغموض، بل نقلها إلى مستوى جديد، حيث تتقاطع توازنات القوة داخل كراكاس مع رهانات واشنطن السياسية والأمنية والاقتصادية.
وبحسب التقرير، أسند الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهمة «إدارة» فنزويلا إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشغل في الوقت ذاته منصب مستشار الأمن القومي وأمين الأرشيف بالوكالة. وقد ظهر روبيو في جولة مكثفة على البرامج السياسية، في محاولة لشرح ملامح المرحلة المقبلة، غير أن الأسئلة الجوهرية حول طبيعة هذه المهمة وحدودها لا تزال بلا إجابات واضحة.
وأوضح روبيو أن أولويته في مرحلة ما بعد مادورو تتمثل في ضمان أن تتصرف فنزويلا بما يخدم المصالح الأميركية. وعملياً، يعني ذلك السعي إلى وقف تهريب المخدرات، وإخراج الجماعات المسلحة، وقطع العلاقات الوثيقة التي نسجتها كراكاس مع خصوم واشنطن. كما أشار إلى أن التعامل مع أي طرف فنزويلي مستقبلي سيكون مشروطاً بمدى التزامه بهذه المطالب، قائلاً: «سنقيّم أي طرف بناء على أفعاله، لا على وعوده».
غير أن التقرير يلفت إلى أن هذه المقاربة، على بساطتها الظاهرية، تصطدم بواقع سياسي وأمني معقّد داخل فنزويلا. فحتى الآن، تبنّت نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، خطاباً تحدّياً علنياً تجاه الولايات المتحدة، ما يثير تساؤلات حول مدى استعدادها للتعاون مع واشنطن. وتصف الصحيفة رودريغيز بأنها شخصية تشافيزية متشددة، تنحدر من خلفية أيديولوجية راديكالية، إذ سُجن والدها الماركسي في سبعينيات القرن الماضي على خلفية جرائم استهدفت رجل أعمال أميركياً.
وترجّح «واشنطن بوست» أن تكون تصريحات رودريغيز العلنية موجّهة بالأساس للاستهلاك الداخلي، في محاولة للحفاظ على تماسك القاعدة الموالية للنظام السابق. في المقابل، تمتلك واشنطن أوراق ضغط متعددة، من بينها استمرار الحصار البحري على صادرات النفط، فضلاً عن التلويح بخيار التصعيد العسكري. ويذكّر التقرير بتصريحات ترامب الأخيرة التي أكد فيها أن روبيو على تواصل مع رودريغيز، وأنها منفتحة على المطالب الأميركية، مع الإشارة إلى أن توصيفات ترامب لمواقف قادة العالم غالباً ما تأتي أكثر تفاؤلاً من الواقع.
لكن رودريغيز ليست وحدها صاحبة النفوذ في كراكاس. فالتقرير يشير إلى وجود مراكز قوة أخرى داخل الدولة، أبرزها وزير الداخلية ديوسدادو كابيو روندون، ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، وكلاهما يواجه لوائح اتهام جنائية في الولايات المتحدة. وعلى مدى سنوات، اعتمد مادورو على ضمان ولاء القيادات العسكرية عبر الامتيازات المالية، إضافة إلى العصابات المسلحة التي بسطت سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد. ويبقى مصير هذه الشبكات السلطوية بعد اعتقال مادورو أحد أكبر المجهولات.
ومن بين الأسئلة الأكثر حساسية، يبرز مصير قادة المعارضة، وفي مقدمتهم ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام. فقد استبعد ترامب، في تصريحات علنية، فرص توليها السلطة في المدى القريب، معتبراً أنها لا تحظى بدعم المؤسسة العسكرية.
غير أن الصحيفة تحذّر من التسرع في شطب دور ماتشادو. فهي، بحسب التقرير، تتمتع بشرعية شعبية واسعة، إذ حقق حزبها فوزاً كاسحاً في انتخابات 2024، كما نالت احترام شريحة كبيرة من الفنزويليين لقرارها البقاء داخل البلاد رغم الاستهداف والملاحقة في عهد مادورو. ويضاف إلى ذلك سجلها الواضح في الدفاع عن الديمقراطية واقتصاد السوق، واستعدادها لإقامة علاقات تجارية وثيقة مع الولايات المتحدة. وترجّح «واشنطن بوست» أنها ستفوز في أي انتخابات وطنية حرة إذا أُتيح لها الترشح.
أما السؤال الأعمق، فيتعلق بردة فعل الشارع الفنزويلي، في الداخل والشتات، تجاه سياسة أميركية تبدو ملتبسة في نظر كثيرين. فبينما يحتفل ملايين الفنزويليين بسقوط مادورو، ويتعاملون بحذر مع آمال استعادة الحرية، تحذّر الصحيفة من أن هذه المشاعر قد تنقلب سريعاً إذا ساد الانطباع بأن واشنطن تسعى إلى الإبقاء على بقايا النظام الاستبدادي، في الوقت الذي تستغل فيه ثروة البلاد النفطية لمصلحتها الخاصة.
ويخلص التقرير إلى أن الطريق الأمثل أمام إدارة ترامب يتمثل في الوقوف بوضوح إلى جانب الشعب الفنزويلي، وتقديم ضمانات بأن الهدف النهائي هو بناء نظام ديمقراطي واقتصاد حر، حتى لو كانت المرحلة الانتقالية محفوفة بالفوضى والتحديات. ففي نظر «واشنطن بوست»، سيُقاس نجاح الدور الأميركي في فنزويلا ليس بسرعة السيطرة على المشهد، بل بقدرته على تمهيد الطريق لانتقال حقيقي ومستدام للسلطة.