كشفت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، عن معارضة واضحة لمضمون المحادثات الجارية بين دمشق وتل أبيب، الهادفة إلى التوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية» ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية من تسعة مواقع عسكرية أقامتها في الأراضي التي احتلتها في جنوب سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد.
ويخشى الجيش الإسرائيلي، وفق هذه المصادر، أن يؤدي أي انسحاب أو التزام بوقف العمليات العسكرية إلى تقييد حرية تحركه الجوية والبرية، وفقدانه القدرة على استهداف مناطق يعتبرها «حيوية لأمنه القومي»، خصوصاً في ما يتعلق بإحباط تهريب الأسلحة من إيران والعراق إلى «حزب الله» عبر الأراضي السورية.
رفض عسكري ومرونة سياسية
وبحسب ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، فإن قيادة الجيش ترى أن أحد أخطر بنود الطرح السوري يتمثل في مطالبة الرئيس السوري أحمد الشرع بوقف الغارات الإسرائيلية، ولا سيما تلك التي ينفذها سلاح الجو داخل الأراضي السورية. ويعتبر الجيش أن الاستجابة لهذا المطلب ستقوّض قدرته على إحباط نقل أسلحة متطورة إلى «حزب الله»، الذي تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أنه يعمل على إعادة بناء قوته العسكرية.
وأوضحت الصحيفة أن الجيش أجرى خلال الفترة الأخيرة دراسات معمقة حول المطالب السورية وتداعيات أي اتفاق أمني محتمل. ورغم تعهّد المستوى السياسي الإسرائيلي بالإبقاء على وجود عسكري دائم في قمم جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، لما تمثله من أهمية استراتيجية في مراقبة طرق التهريب بين سوريا ولبنان، فإن القيادة العسكرية تبدي رفضاً واضحاً لبنود أخرى تظهر الحكومة مرونة تجاهها، وعلى رأسها:
• الانسحاب من المواقع التسعة في جنوب سوريا
• وقف الغارات الجوية في مختلف أنحاء البلاد
مخاوف من عودة التهريب وتعاظم القدرات السورية
يدّعي الجيش الإسرائيلي أن أي اتفاق أمني جديد مع دمشق قد يؤدي إلى إعادة تنشيط شبكات تهريب السلاح، مشيراً إلى وجود كميات كبيرة من الأسلحة والقدرات العسكرية المتبقية من عهد النظام السابق، بما في ذلك رادارات روسية ومنظومات مراقبة متطورة.
ورغم إقرار الجيش بعدم امتلاك الجيش السوري المعاد بناؤه الخبرة أو القدرة التشغيلية الكاملة لاستخدام هذه المنظومات حالياً، إلا أنه يحذّر من أن الاتفاق الأمني سيوفر لدمشق الوقت والشرعية لتطوير قدراتها، في وقت سيكون فيه الجيش الإسرائيلي مقيّداً عن استهداف هذه الأسلحة والمنشآت.
الجنوب السوري… ساحة حساسة
تعترض المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشكل خاص على المطالبة السورية بوقف الهجمات في منطقة درعا، إذ تزعم تل أبيب أن هذه المنطقة كانت خلال السنوات الماضية مسرحاً لنشاط ميليشيات موالية لإيران، وتنظيمات فلسطينية، وعناصر من «حزب الله».
ويؤكد الجيش أن أي التزام أمني ضمن الاتفاق سيمنعه من مهاجمة أهداف يعتبرها تهديداً مباشراً، رغم الإقرار بأن الأراضي السورية لم تشهد إطلاق نار باتجاه إسرائيل منذ سنوات طويلة.
ملف الدروز… نقطة خلاف إضافية
من بين أكثر الملفات حساسية في المحادثات، مسألة ما تصفه إسرائيل بـ«المساعدات المقدمة للدروز السوريين» في ثلاث مناطق رئيسية:
• محيط دمشق
• جبل الدروز
• محافظة السويداء
وتطالب دمشق بوقف هذه المساعدات كلياً، معتبرة أنها تشكل تهديداً لوحدة الدولة السورية، خصوصاً في ظل دعوات أطلقها الزعيم الروحي للدروز في السويداء، الشيخ حكمت الهجري، للمطالبة باستقلال المنطقة.
في المقابل، يقول الجيش الإسرائيلي إن هذه المساعدات شملت آلاف قطع السلاح النوعي التي صودرت خلال الحرب من «حماس» و«حزب الله»، إضافة إلى دروع واقية يعتبرها «ضرورة أمنية حيوية» للدروز ولإسرائيل على حد سواء، ويرفض التخلي عنها.
توصيات عسكرية: البقاء في «أراضي العدو»
بناءً على هذه المخاوف، أوصى الجيش الإسرائيلي الحكومة بعدم الانسحاب من المناطق التي احتلها في الجولان السوري عقب سقوط النظام السابق. وذهب في توصيفه إلى حد القول إنه «يحظر الانسحاب من أراضي العدو على أي حدود معادية»، معتبراً أن الدفاع عن البلدات الإسرائيلية يكون أسهل عندما يتم من داخل «أراضي العدو» وفي مناطق منزوعة السلاح.
ويستند الجيش في تبرير هذا الموقف إلى ما يصفه بـ«عِبر هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)»، الذي أعاد صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية باتجاه التوسع في العمق بدلاً من الاكتفاء بالدفاع الحدودي.
ورغم هذه التحفظات، يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه سيُبقي قواته منتشرة بأعداد كبيرة، بل مضاعفة عن السابق، على طول الحدود في هضبة الجولان السورية المحتلة، حتى في حال اتخاذ قرار سياسي بالانسحاب من بعض المناطق في جنوب سوريا.
قلق إسرائيلي من اتفاق دمشق – «قسد»
في سياق متصل، كشفت صحيفة «معاريف» عن قلق متزايد في الأوساط الإسرائيلية من الاتفاق الذي وُقّع بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد). واعتبر المستشرق موشيه ألعاد، المحاضر في كلية الجليل، أن هذا الاتفاق يتجاوز كونه تطوراً تكتيكياً، ليشكّل تحولاً استراتيجياً ذا بعد إقليمي.
ويرى ألعاد أن الاتفاق يعكس استعادة الدولة السورية سيطرتها على مواردها النفطية، وتوحيد صفوفها، بما يمكّنها من الانطلاق مجدداً نحو استعادة قوتها العسكرية والاقتصادية. وأضاف أن هذا التطور، بالتوازي مع استمرار التوترات مع العلويين والدروز، يثير قلقاً متزايداً في إسرائيل.
كما عبّر ألعاد عن اعتقاده بأن الدعم الأميركي المتزايد للرئيس أحمد الشرع قد يتحول إلى ضربة لحلفاء واشنطن المحليين الذين قاتلوا تنظيم «داعش» وهزموه في سوريا، ما يعيد خلط الأوراق في المشهد الإقليمي برمته.